تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
سورة النحل في الكلام على قوله تعالى :
لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ
( 31 ) [ النحل : 31 ] . قوله تعالى :
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 20 ) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 )
[ 20 - 21 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الجاثية . قوله تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ( 22 )
[ 22 ] . اختلف العلماء في المراد بكون رزق الناس في السماء ، فذهبت جماعة من أهل العلم ، أن المراد أن جميع أرزاقهم منشؤها من المطر وهو نازل من السماء ، ويكثر في القرآن إطلاق اسم الرزق على المطر ، لهذا المعنى كقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً
[ غافر : 13 ] . وقوله تعالى :
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ
[ الجاثية : 5 ] الآية . وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة المؤمن . وإنزاله تعالى الرزق من السماء بإنزال المطر من أعظم آياته الدالة على عظمته وأنه المعبود وحده ، ومن أعظم نعمه على خلقه في الدنيا ، ولذلك كثر الامتنان به في القرآن على الخلق . وقال بعض أهل العلم : معنى قوله :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ
أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة ، واللّه جل وعلا يدبر أمر الأرض من السماء ، كما قال تعالى :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ
[ السجدة : 5 ] الآية : قوله تعالى :
وَما تُوعَدُونَ
( 22 ) ، ما ، في محل رفع عطف على قوله :
رِزْقُكُمْ ،
والمراد بما يوعدون ، قال بعض أهل العلم : الجنة ، لأن الجنة فوق السماوات ، فإطلاق كونها في السماء إطلاق عربي صحيح ، لأن العرب تطلق السماء على كل ما علاك كما قيل :
وقد يسمى سماء كل مرتفع * وإنما الفضل حيث الشمس والقمر
ولما حكى النابغة الجعديّ شعره المشهور ، قال فيه :
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال له صلى اللّه عليه وسلم « إلى أين يا أبي ليلى : قال : إلى الجنة ، قال : نعم إن شاء اللّه » « 1 » . وقال بعض أهل العلم : وما توعدون من الخير والشر كله مقدر في السماء ، كما بيناه في القول الثاني في المراد بالرزق في الآية ، وهذا المعنى فيما يوعدون به أنسب لهذا القول
هامش
( 1 ) أخرجه ابن الأثير في أسد الغابة 4 / 516 .