وقال بعض أهل العلم : ذات الحبك أي ذات الخلق الحسن المحكم ، وممن قال به ابن عباس وعكرمة وقتادة .
وهذا الوجه يدل عليه قوله تعالى :
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ( 3 ) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
( 4 ) [ الملك : 3 - 4 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وعلى هذا القول فالحبك مصدر ، لأن كل عمل أتقنه عامله وأحسن صنعه ، تقول فيه العرب : حبكه حبكا بالفتح على القياس . والحبك بضمتين بمعناه .
وقال بعض العلماء : ذات الحبك : أي الزينة .
وممن روي عنه هذا سعيد بن جبير والحسن ، وعلى هذا القول ، فالآية كقوله :
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ
[ الملك : 5 ] ، وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في ق في الكلام على قوله :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها
[ ق : 6 ] الآية .
وقال بعض العلماء : ذات الحبك أي ذات الشدة ، وهذا القول يدل له قوله تعالى :
وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً
( 12 ) [ النبأ : 12 ] .
والعرب تسمى شدة الخلق حبكا ، ومنه قيل للفرس الشديد الخلق : محبوك .
ومنه قول امرئ القيس .
قد غدا يحملني في أنفه * لا حق الأطلين محبوك ممر
والآية تشمل الجميع ، فكل الأقوال حق والمقسم عليه في هذه الآية هو قوله تعالى
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
( 8 ) [ الذاريات : 8 ] أي إنكم أيها الكفار لفي قول مختلف في شأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وشأن القرآن ، لأن بعضهم يقول : هو شعر ، وبعضهم يقول : سحر ، وبعضهم يقول : كهانة ، وبعضهم يقول : أساطير الأولين ، وقول من قال في قول مختلف أي لأن بعضهم مصدق ، وبعضهم مكذب خلاف التحقيق .
ويدل على أن الاختلاف إنما هو بين المكذبين دون المصدقين . قوله تعالى في ق
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ
( 5 ) [ ق : 5 ] أي مختلط . وقال بعضهم :
مختلف ، والمعنى واحد .
وقوله تعالى :
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
( 9 ) [ الذاريات : 9 ] أظهر الأقوال فيه عندي ولا ينبغي العدول عنه في نظري ، أن لفظة عن في الآية سببية كقوله تعالى :
وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ
[ هود : 53 ] أي بسبب قولك ، ومن أجله ، والضمير المجرور بعن راجع إلى القول المختلف ، والمعنى يؤفك أي يصرف عن الإيمان باللّه ورسوله عنه ، أي عن ذلك القول