وقال بعضهم : إن صيغة اسم الفاعل في لصادق بمعنى اسم المفعول . أي إن الوعد أو الموعود به لمصدوق فيه لا مكذوب به ، ونظير ذلك قوله تعالى :
فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ
( 21 ) [ الحاقة : 21 ] أي مرضية .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من صدق ما يوعدونه جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
( 9 ) [ آل عمران : 9 ] . وقوله :
إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ
[ الأنعام : 134 ] . وقوله تعالى :
لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ
( 2 ) [ الواقعة : 2 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة .
والمراد بالدين هنا الجزاء ، أي وإن الجزاء يوم القيامة لواقع لا محالة كما قال تعالى
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ
[ النور : 25 ] أي جزاءهم بالعدل والإنصاف ، وكقوله تعالى :
وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
( 41 ) [ النجم : 40 - 41 ] .
وقد نزه اللّه نفسه عن كونه خلق الخلق لا لبعث وجزاء ، وبين أن ذلك ظن الكفار ، وهددهم على ذلك الظن السئ بالويل من النار ، قال تعالى منكرا على من ظن عدم البعث والجزاء ، ومنزها نفسه عن أنه خلقهم عبثا لا لبعث وجزاء :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
( 116 ) [ المؤمنون : 115 - 116 ] . وقال تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
( 27 ) [ ص : 27 ] ، في قوله في آية في ص هذه : باطلا أي عبثا لا لبعث وجزاء .
قوله تعالى :
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ( 7 ) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ( 8 ) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ( 9 )
[ 7 - 9 ] .
قوله تعالى :
ذاتِ الْحُبُكِ
( 7 ) فيه للعلماء أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضا ، فذهب بعض أهل العلم ، إلى أن الحبك جمع حبيكة أو حباك ، وعليه فالمعنى ذات الحبك أي ذات الطرائق ، فما يبدو على سطح الماء الساكن أو الرمل من الطرائق إذا ضربته الريح هو الحبك ، وهو جمع حبيكة أو حباك ، قالوا : ولبعد السماء لا ترى طرائقها المعبر عنها بالحبك ، ومن هذا المعنى قول زهير :
مكلل بأصول النجم تنسجه * ريح خريق بضاحي مائة حبك
وقول الراجز :
كأنما جللها الحواك * طنفسة في وشيها حباك
وممن نقل عنه هذا القول الكلبي والضحاك .