ومما يزيد ما ذكرنا إيضاحا ما قاله الصاوي أيضا في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
[ آل عمران : 7 ] فإنه قال على كلام الجلال ما نصه : زيغ أي ميل عن الحق للباطل ، قوله :
بوقوعهم في الشبهات واللبس ، أي كنصارى نجران ، ومن حذا حذوهم ممن أخذ بظاهر القرآن ، فإن العلماء ذكروا أن من أصول الكفر الأخذ بظواهر الكتاب والسنة ا ه .
فانظر رحمك اللّه ، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله وما أجرأ قائله على انتهاك حرمات اللّه ، وكتابه ونبيه وسنته صلى اللّه عليه وسلم ، وما أدله على أن صاحبه لا يدري ما يتكلم به . فإنه جعل ما قاله نصارى نجران ، هو ظاهر كتاب اللّه ، ولذا جعل مثلهم من حذا حذوهم فأخذ بظاهر القرآن .
وذكر أن العلماء قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر مع أنه لا يدري وجه ادعاء نصارى نجران على ظاهر القرآن أنه كفر ، مع أنه مسلم أن ادعاءهم على ظاهر القرآن أنه كفرهم ومن حذا حذوهم ادعاء صحيح إلا أن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر .
وقد قال قبل هذا : قيل سبب نزولها أن وفد نجران قالوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ألست تقول : إن عيسى روح اللّه وكلمته ؟ فقال نعم ، فقالوا حسبنا ، أي كفانا ذلك في كونه ابن اللّه . فنزلت الآية .
فاتضح أن الصاوي يعتقد أن ادعاء نصارى نجران أن ظاهر قوله تعالى :
كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
[ النساء : 171 ] هو أن عيسى ابن اللّه ادعاء صحيح ، وبنى على ذلك أن العلماء قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر .
وهذا كله من أشنع الباطل وأعظمه ، فالآية لا يفهم من ظاهرها البتة ، بوجه من الوجوه ، ولا بدلالة من الدلالات ، أن عيسى ابن اللّه ، وادعاء نصارى نجران ذلك كذب بحت .
فقول الصاوي كنصارى نجران ، ومن حذا حذوهم ممن أخذ بظواهر القرآن صريح في أنه يعتقد أن ما ادعاه وفد نجران من كون عيسى ابن اللّه هو ظاهر القرآن اعتقاد باطل باطل باطل ، حاشا القرآن العظيم من أن يكون هذا الكفر البواح ظاهره ، بل هو لا يدل عليه البتة فضلا عن أن يكون ظاهره وقوله :
وَرُوحٌ مِنْهُ
كقوله تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
[ الجاثية : 13 ] أي كل ذلك من عيسى ومن تسخير السماوات والأرض مبدؤه ومنشؤه جل وعلا .
فلفظة من في الآيتين لابتداء الغاية ، وذلك هو ظاهر القرآن وهو الحق خلافا لما زعمه