يعتقد ظاهرهما كفرا والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد مما ظنه أشد من بعد الشمس من اللمس .
ومما يوضح لك ذلك أن آية الكهف هذه ، التي ظن الصاوي أن ظاهرها حل الأيمان بالتعليق بالمشيئة المتأخر وزمنها عن اليمين وأن ذلك مخالف للمذاهب الأربعة : وبنى على ذلك أن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر كله باطل لا أساس له .
وظاهر الآية بعيد مما ظن بل الظن الذي ظنه والزعم الذي زعمه لا تشير الآية إليه أصلا ، ولا تدل عليه لا بدلالة المطابقة ، ولا التضمن ولا الالتزام . فضلا على أن تكون ظاهرة فيه .
وسبب نزولها يزيد ذلك إيضاحا ، لأن سبب نزول الآية أن الكفار سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين فقال لهم سأخبركم غدا ، ولم يقل إن شاء اللّه فعاتبه ربه بعدم تفويض الأمر إليه ، وعدم تعليقه بمشيئته جل وعلا فتأخر عنه الوحي .
ثم علمه اللّه في الآية والأدب معه في قوله :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 23 - 24 ] .
ثم قال لنبيه
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
[ الكهف : 24 ] يعني إن قلت سأفعل كذا غدا ، ثم نسيت أن تقول إن شاء اللّه ، ثم تذكرت بعد ذلك ، فاذكر ربك ، أي قل إن شاء اللّه ، أي لتتدارك بذلك الأدب ، مع اللّه الذي فاتك عند وقته ، بسبب النسيان وتخرج من عهدة النهي في قوله تعالى
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ .
والتعليق بهذه المشيئة المتأخرة لأجل المعنى المذكور ، الذي هو ظاهر الآية الصحيح لا يخالف مذهبا من المذاهب الأربعة ولا غيرهم ، وهو التحقيق في مراد ابن عباس بما ينقل عنه من جواز تأخير الاستثناء كما أوضحه كبير المفسرين . أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه اللّه .
وقد قدمنا إيضاحه في الكلام على آية الكهف هذه . فيا أتباع الصاوي المقلدين له تقليدا أعمى على جهالة عمياء ، أين دل ظاهر آية الكهف هذه ، على اليمين باللّه ، أو بالطلاق أو بالعتق أو بغير ذلك من الأيمان ؟
هل النبي صلى اللّه عليه وسلم حلف لما قال للكفار : سأخبركم غدا ؟
وهل قال اللّه : ولا تقولن لشيء إني حالف سأفعل ذلك غدا ؟
ومن أين جئتم باليمين ، حتى قلتم إن ظاهر القرآن ، هو حل الأيمان بالمشيئة المتأخرة عنها ، وبنيتم على ذلك أن ظاهر الآية مخالف لمذاهب الأئمة الأربعة ، وأن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر ؟