فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق ؟ أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق ؟
فكل لفظ دل على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقا بالخالق منزها عن مشابهة صفات المخلوق .
وكذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق .
فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق ، هو كونها جارحة هي عظم ولحم ودم ، وهذا هو الذي يتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى :
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
[ المائدة :
38 ] .
والظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] أنها صفه كمال وجلال ، لائقة باللّه جل وعلا ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله .
وقد بين جل وعلا عظم هذه الصفة وما هي عليه من الكمال والجلال ، وبين أنها من صفات التأثير كالقدرة ، قال تعالى في تعظيم شأنها
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
( 67 ) [ الزمر :
67 ] .
وبين أنها صفة تأثير كالقدرة ، في قوله تعالى :
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] ، فتصريحه تعالى بأنه خلق نبيه آدم بهذه الصفة العظيمة التي هي صفات كماله وجلاله يدل على أنها من صفات التأثير كما ترى .
ولا يصح هنا تأويل اليد بالقدرة البتة ، لإجماع أهل الحق والباطل ، كلهم على أنه لا يجوز تثنية القدرة .
ولا يخطر في ذهن المسلم المراجع عقله ، دخول الجارحة التي هي عظم ولحم ودم في معنى هذا اللفظ ، الدال على هذه الصفة العظيمة ، من صفات خالق السماوات والأرض .
فاعلم أيها المدعي أن ظاهر لفظ اليد في الآية المذكورة وأمثالها ، لا يليق باللّه ، لأن ظاهرها التشبيه بجارحة الإنسان ، وأنها يجب صرفها ، عن هذا الظاهر الخبيث ، ولم تكتف بهذا حتى ادعيت الإجماع على صرفها عن ظاهرها . إن قولك هذا كله افتراء عظيم على اللّه تعالى ، وعلى كتابه العظيم ، وإنك بسببه كنت أعظم المشبهين والمجسمين ، وقد جرك شؤم هذا التشبيه ، إلى ورطة التعطيل ، فنفيت الوصف الذي أثبته اللّه في كتابه لنفسه بدعوى أنه لا يليق به ، وأولته بمعنى آخر من تلقاء نفسك بلا مستند من كتاب ولا سنة ولا إجماع ، ولا قول أحد من السلف .