وهي ادعاء الاستغناء عن كتاب اللّه وسنة رسوله ، استغناء تاما ، في جميع الأحكام من عبادات ومعاملات ، وحدود وغير ذلك ، بالمذاهب المدونة .
وبناء هذا على مقدمتين :
إحداهما : أن العمل بالكتاب والسنة لا يجوز إلا للمجتهدين .
والثانية : أن المجتهدين معدومون عدما كليا ، لا وجود لأحد منهم ، في الدنيا ، وأنه بناء على هاتين المقدمتين ، يمنع العمل بكتاب اللّه وسنة رسوله منعا باتا على جميع أهل الأرض ، ويستغنى عنهما بالمذاهب المدونة .
وزاد كثير منهم على هذا منع تقليد غير المذاهب الأربعة ، وأن ذلك يلزم استمراره إلى آخر الزمان .
فتأمل يا أخي رحمك اللّه : كيف يسوغ لمسلم ، أن يقول بمنع الاهتداء بكتاب اللّه ، وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وعدم وجوب تعلمهما والعمل بهما ، استغناء عنهما بكلام رجال ، غير معصومين ولا خلاف في أنهم يخطئون .
فإن كان قصدهم أن الكتاب والسنة ، لا حاجة إلى تعلمهما ، وأنهما يغني غيرهما ، فهذا بهتان عظيم ، ومنكر من القول وزور .
وإن كان قصدهم أن تعلمهما صعب لا يقدر عليه ، فهو أيضا زعم باطل ، لأن تعلم الكتاب والسنة ، أيسر من تعلم مسائل الآراء والاجتهاد المنتشرة ، مع كونها في غاية التعقيد ، والكثرة واللّه جل وعلا يقول في سورة القمر مرات متعددة :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
( 17 ) [ القمر : 17 - 22 - 32 - 40 ] . ويقول تعالى في الدخان :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
( 58 ) [ الدخان : 58 ] . ويقول في مريم :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
( 97 ) [ مريم : 97 ] .
فهو كتاب ميسر ، بتيسير اللّه ، لمن وفقه اللّه للعمل به ، واللّه جل وعلا يقول
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
[ العنكبوت : 49 ] ، ويقول
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
( 52 ) [ الأعراف : 52 ] .
فلا شك أن الذي يتباعد ، عن هداه ، يحاول التباعد ، عن هدى اللّه ورحمته .
ولا شك أن هذا القرآن العظيم ، هو النور الذي أنزله اللّه إلى أرضه ، ليستضاء به فيعلم في ضوئه الحق من الباطل والحسن من القبيح والنافع من الضار ، والرشد من الغي .
قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
( 174 ) [ النساء :
174 ] .