تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
البحث عن المخصص ، وكذا بعد الوفاة ، خلافا لابن سريج ا ه . وعلى كل حال فظواهر النصوص ، من عموم وإطلاق ، ونحو ذلك ، لا يجوز تركها إلا لدليل يجب الرجوع إليه ، من مخصص أو مقيد ، لا لمجرد مطلق الاحتمال ، كما هو معلوم في محله . فادعاء كثير من المتأخرين ، أنه يجب ترك العمل به ، حتى يبحث عن المخصص ، والمقيد مثلا خلاف التحقيق . الوجه الثاني : أن غير المجتهد إذا تعلم آيات القرآن ، أو بعض أحاديث النبي صلى اللّه عليه وسلم ليعمل بها ، تعلم ذلك النص العام ، أو المطلق ، وتعلم معه ، مخصصه ومقيده إن كان مخصصا أو مقيدا ، وتعلم ناسخه إن كان منسوخا وتعلم ذلك سهل جدا ، بسؤال العلماء العارفين به ، ومراجعة كتب التفسير والحديث المعتد بها في ذلك ، والصحابة كانوا في العصر الأول يتعلم أحدهم آية فيعمل بها ، وحديثا فيعمل به ، ولا يمتنع من العمل بذلك حتى يحصل رتبة الاجتهاد المطلق ، وربما عمل الإنسان بما علم فعلمه ما لم يكن يعلم ، كما يشير له قوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 282 ] وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
[ الأنفال : 29 ] على القول بأن الفرقان هو العلم النافع الذي يفرق به بين الحق والباطل . وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ
[ الحديد : 28 ] الآية . وهذه التقوى ، التي دلت الآيات ، على أن اللّه يعلم صاحبها ، بسببها ما لم يكن يعلم ، لا تزيد على عمله بما علم ، من أمر اللّه وعليه فهي عمل ببعض ما علم زاده اللّه به علم ما لم يكن يعلم . فالقول بمنع العمل بما علم من الكتاب والسنة ، حتى يحصل رتبة الاجتهاد المطلق ، هو عين السعي في حرمان جميع المسلمين ، من الانتفاع بنور القرآن ، حتى يحصلوا شرطا مفقودا ، في اعتقاد القائلين بذلك ، وادعاء مثل هذا على اللّه وعلى كتابه وعلى سنة رسوله هو كما ترى . تنبيه مهم يجب على كل مسلم ، يخاف العرض على ربه ، يوم القيامة ، أن يتأمل فيه ليرى لنفسه المخرج من هذه الورطة العظمى ، والطاعة الكبرى ، التي عمت جل بلاد المسلمين من المعمورة .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 282 | الشنقيطي