تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
على أن قسمة المفهوم ثنائية ، إما أن يكون مفهوم موافقة أو مخالفة ولا ثالث . ولا يدخل هذا المفهوم المدعى في شيء من أقسام المفهومين . أما عدم دخوله في مفهوم الموافقة بقسميه فواضح . وأما عدم دخوله في شيء من أنواع مفهوم المخالفة ، فلأن عدم دخوله في مفهوم الحصر أو الغاية أو العدد أو الصفة أو الظرف واضح . فلم يبق من أنواع مفهوم المخالفة يتوهم دخوله فيه إلا مفهوم الشرط أو اللقب ، وليس داخلا في واحد منهما . فظهر عدم دخوله فيه أصلا . أما وجه توهم دخوله في مفهوم الشرط ، فلأن قوله :
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
فعل مضارع مجزوم بكونه جزاء الطلب . وجمهور علماء العربية على أن الفعل إذا كان كذلك فهو مجزوم بشرط مقدر ، لا بالجملة قبله ، كما قيل به . وعلى الصحيح الذي هو مذهب الجمهور ، فتقرير المعنى :
أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ
إن تفعلوا ذلك يغفر لكم ، فيتوهم في الآية مفهوم هذا الشرط المقدر . والجواب عن هذا : أن مفهوم الشرط عند القائل به ، إنما هو في فعل الشرط لا في جزائه ، وهو معتبر هنا في فعل الشرط على عادته ، فمفهوم أن تجيبوا داعي اللّه وتؤمنوا به يغفر لكم ، أنهم إن لم يجيبوا داعي اللّه ولم يؤمنوا به لم يغفر لهم ، وهو كذلك . أما جزاء الشرط فلا مفهوم له لاحتمال أن تترتب على الشرط الواحد مشروطات كثيرة ، فيذكر بعضها جزاء له فلا يدل على نفي غيره . كما لو قلت لشخص مثلا : إن تسرق يجب عليك غرم ما سرقت . فهذا الكلام حق ولا يدل على نفي غير الغرم كالقطع ، لأن قطع اليد مرتب أيضا على السرقة كالغرم . وكذلك الغفران ، والإجارة من العذاب ودخول الجنة كلها مرتبة على إجابة داعي اللّه والإيمان به . فذكر في الآية بعضها وسكت فيها عن بعض ، ثم بين في موضع آخر ، وهذا لا إشكال فيه . وأما وجه توهم دخوله في مفهوم اللقب ، فلأن اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما لم يمكن انتظام الكلام العربي دونه ، أعني المسند إليه سواء كان لقبا أو كنية أو اسما أو اسم
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 263 | الشنقيطي