قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الجاثية في الكلام على قوله تعالى :
وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
( 10 ) [ الجاثية : 10 ] .
قوله تعالى :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ( 29 ) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ( 30 )
[ 29 - 30 ] .
ذكر اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف ، أنه صرف إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم
نَفَراً مِنَ الْجِنِّ
والنفر دون العشرة
يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ
وأنهم لما حضروه ، قال بعضهم لبعض
أَنْصِتُوا
أي اسكتوا مستمعين ، وأنه لما قضى . أي انتهى النبي صلى اللّه عليه وسلم من قراءته
وَلَّوْا
أي رجعوا إلى قومهم من الجن في حال كونهم منذرين أي مخوفين لهم من عذاب اللّه إن لم يؤمنوا باللّه ، ويجيبوا داعيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم . وأخبروا قومهم ، أن هذا الكتاب الذي سمعوه يتلى ، المنزل من بعد موسى يهدي إلى الحق ، وهو ضد الباطل ، وإلى طريق مستقيم ، أي لا اعوجاج فيه .
وقد دل القرآن العظيم أن استماع هؤلاء النفر من الجن ، وقولهم ما قالوا عن القرآن كله وقع ولم يعلم به النبي صلى اللّه عليه وسلم ، حتى أوحى اللّه ذلك إليه ، كما قال تعالى في القصة بعينها ، مع بيانها وبسطها ، بتفصيل الأقوال التي قالتها الجن ، بعد استماعهم القرآن العظيم :
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ( 1 ) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً
( 2 ) [ الجن : 1 - 2 ] إلى آخر الآيات .
قوله تعالى :
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 31 )
[ 31 ] .
منطوق هذه الآية أن من أجاب داعي اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم وآمن به ، وبما جاء به ، من الحق غفر اللّه له ذنوبه . وأجاره من العذاب الأليم ، ومفهومها ، أعني مفهوم مخالفتها ، والمعروف بدليل الخطاب ، أن من لم يجب داعي اللّه من الجن ، ولم يؤمن به لم يغفر له ، ولم يجره ، من عذاب أليم ، بل يعذبه ويدخله النار ، وهذا المفهوم جاء مصرحا به مبينا في آيات أخر ، كقوله تعالى :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
( 119 ) [ هود : 119 ] .
وقوله تعالى :
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
( 13 ) [ السجدة :
13 ] وقوله تعالى
قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ
[ الأعراف :
38 ] : وقوله تعالى
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 ) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ
( 95 ) [ الشعراء : 94 - 95 ] إلى غير ذلك من الآيات .
أما دخول المؤمنين ، المجيبين داعي اللّه من الجن ، الجنة فلم تتعرض له الآية الكريمة