تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
أخر ، وأدلة خارجة ، ولا يجوز حملها على أحد أمرين المذكورين ، إلا بدليل منفصل كما أوضحناه ، في غير هذا الموضع . تنبيه اعلم أن ما ذكرنا من أن لو تقتضي عدم وجود الشرط ، وأن إن تقتضي الشك فيه ، لا يرد عليه قوله تعالى :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ
[ يونس : 94 ] الآية . كما أشرنا له قريبا . لأن التحقيق أن الخطاب في قوله : ( إن كنت في شك ) خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمراد به من يمكن أن يشك في ذلك من أمته . وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى :
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ الإسراء : 22 ] الآية . دلالة القرآن الصريحة على أنه صلى اللّه عليه وسلم يتوجه إليه الخطاب من اللّه ، والمراد به التشريع لأمته ، ولا يراد هو صلى اللّه عليه وسلم البتة بذلك الخطاب . وقدمنا هناك أن من أصرح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
[ الإسراء : 23 ] الآية ، فالتحقيق أن الخطاب له صلى اللّه عليه وسلم والمراد أمته لا هو نفسه ، لأنه هو المشرع لهم بأمر اللّه . وإيضاح ذلك أو معنى :
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ
أي إن يبلغ عندك الكبر يا نبي اللّه والداك أو أحدهما فلا تقل لهما أف . ومعلوم أن أباه مات وهو حمل ، وأمه ماتت وهو في صباه فلا يمكن أن يكون المراد : إن يبلغ الكبر عندك هما أو أحدهما والواقع أنهما قد ماتا قبل ذلك بأزمان . وبذلك يتحقق أن المراد بالخطاب غيره من أمته الذي يمكن إدراك والديه أو أحدهما الكبر عنده . وقد قدمنا أن مثل هذا أسلوب عربي معروف وأوردنا شاهدا لذلك رجز سهل بن مالك الفزاري في قوله :
يا أخت خير البدو والحضاره * كيف ترين في فتى فزاره
أصبح يهوى حرة معطاره * إياك أعني واسمعي يا جاره
وقد بسطنا القصة هناك ، وبينا أن قول من قال : إن الخطاب في قوله تعالى :
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما
[ الإسراء : 23 ] الآية : لكل من يصح خطابه من أمته ، صلى اللّه عليه وسلم لا له هو نفسه ، باطل بدليل قوله تعالى بعده في سياق الآيات :
ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ
[ الإسراء : 39 ] الآية .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 203 | الشنقيطي