ومنه قول أبي محجن الثقفي :
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * تروي عظامي في الممات عروقها
ولا تدفني في الفلاة فإنني * أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
فقوله أخاف : أي أعلم لأنه لا يشك في أنه لا يشربها بعد موته .
وقوله في هذه الآية الكريمة
الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ
( 69 ) ظاهره المغايرة بين الإيمان والإسلام .
وقد دل بعض الآيات على اتحادهما كقوله تعالى :
فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 35 ) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
( 36 ) [ الذاريات : 35 - 36 ] .
ولا منافاة في ذلك ، فإن الإيمان يطلق تارة على جميع ما يطلق عليه الإسلام من الاعتقاد والعمل . كما ثبت في الصحيح ، في حديث وفد عبد القيس ، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدا .
ومن أصرحها في ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم « الإيمان بضع وسبعون » « 1 » .
وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح « وستون شعبة أعلاها شهادة ألا إله إلا اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق » « 2 » .
فقد سمى صلى اللّه عليه وسلّم « إماطة الأذى عن الطريق » إيمانا .
وقد أطال البيهقي رحمه اللّه في شعب الإيمان ، في ذكر الأعمال التي جاء الكتاب والسنة تسميتها إيمانا .
فالإيمان الشرعي التام والإسلام الشرعي التام معناهما واحد .
وقد يطلق الإيمان إطلاقا آخر على خصوص ركنه الأكبر الذي هو الإيمان بالقلب ، كما في حديث جبريل الثابت في الصحيح .
والقلب مضغة في الجسد إذا صلحت صلح الجسد كله . فغيره تابع له . وعلى هذا تحصل المغايرة في الجملة بين الإيمان والإسلام .
فالإيمان ، على هذا الإطلاق ، اعتقاد والإسلام شامل للعمل .
واعلم أن مغايرته تعالى بين الإيمان والإسلام في قوله تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 14 ] .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) سبق تخريجه .