تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
معنييه ، ولا معانيه بل يطلب بيان المراد منه ، بدليل منفصل . وقد دل الكتاب هنا والسنة المتواترة على أنه لم يمت وأنه حي . وأما على القول بتقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية ، فإنه يجاب عنه من أوجه : الأول : أن التوفي محمول على النوم ، وحمله عليه يدخل في اسم الحقيقة العرفية . والثاني : أنا وإن سلمنا أنه توفي موت ، فالصيغة لا تدل على أنه قد وقع فعلا . الثالث : أن القول المذكور بتقديم العرفية ، محله فيما إذا لم يوجد دليل صارف ، عن إرادة العرفية اللغوية ، فإن دل على ذلك دليل وجب تقديم اللغوية قولا واحدا . وقد قدمنا مرارا دلالة الكتاب والسنة المتواترة على إرادة اللغوية هنا دون العرفية . واعلم بأن القول بتقديم اللغوية على العرفية ، محله فيما إذا لم تتناس اللغوية بالكلية ، فإن أميتت الحقيقة اللغوية بالكلية ، وجب المصير إلى العرفية إجماعا ، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله :
أجمع إن حقيقة تمات * على التقدم له الإثبات
فمن حلف ليأكلن من هذه النخلة ، فمقتضى الحقيقة اللغوية ، أنه لا يبر يمينه حتى يأكل من نفس النخلة لا من ثمرتها . ومقتضى الحقيقة العرفية أنه يأكل من ثمرتها لا من نفس جذعها . والمصير إلى العرفية هنا واجب إجماعا ، لأن اللغوية في مثل هذا أميتت بالكلية . فلا يقصد عاقل البتة الأكل من جذع النخلة . أما الحقيقة اللغوية في قوله تعالى :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
[ آل عمران : 55 ] فإنها ليست من الحقيقة المماتة كما لا يخفى . ومن المعلوم في الأصول أن العرفية تسمى حقيقة عرفية ومجازا لغويا ، وأن اللغوية تسمى عندهم حقيقة لغوية ، ومجازا عرفيا . وقد قدمنا مرارا أنا أوضحنا أن القرآن الكريم لا مجاز فيه على التحقيق في رسالتنا المسماة « منع جواز المجاز ، في المنزل للتعبد والإعجاز » . فاتضح مما ذكرنا كله أن آية الزخرف هذه تبينها آية النساء المذكورة ، وأن عيسى لم يمت وأنه ينزل في آخر الزمان وإنما قلنا إن قوله تعالى هنا :
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ
أي علامة ودليل على قرب مجيئها ، لأن وقت مجيئها بالفعل لا يعلمه إلا اللّه .