ولم يجعل الكلمة باقية في جميع عقبه ، لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا صلى اللّه عليه وسلم من عقبه بإجماع العلماء ، وقد كذبوه صلى اللّه عليه وسلم وقالوا إنه ساحر . وكثير منهم مات على ذلك . وذلك في قوله تعالى
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ
يعني كفار مكة وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين ، هو محمد صلى اللّه عليه وسلم
وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ
( 30 ) [ الزخرف : 30 ] .
وما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل اللّه الكلمة المذكورة باقية فيهم ، دلت عليه آيات أخر من كتاب اللّه ، كقوله تعالى في البقرة :
قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
( 124 ) [ البقرة : 124 ] أي الظالمين من ذرية إبراهيم .
وقوله تعالى في الصافات
وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ
( 113 ) [ الصافات : 113 ] .
فالمحسن منهم هو الذي الكلمة باقية فيه ، والظالم لنفسه المبين منهم ليس كذلك .
وقوله تعالى في النساء
فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 ) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً
( 55 ) [ النساء : 54 - 55 ] .
وقد بين تعالى في الحديد أن غير المهتدين منهم كثيرون وذلك في قوله
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
( 26 ) [ الحديد : 26 ] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 28 ) أي جعل الكلمة باقية فيهم لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد المؤمنين لمهتدين منهم ، لأن الحق ما دام قائما في جملتهم فرجوع الزائغين عنه إليه مرجو مأمول كما دل عليه قوله
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 28 ) [ الزخرف : 28 ] .
والرجاء المذكور بالنسبة إلى بني آدم ، لأنهم لا يعرفون من يصير إلى الهدى ، ومن يصير إلى الضلال .
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ، وفي الكلام تقديم وتأخير .
والمعنى فإنه سيهدين لعلهم يرجعون ، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ، أي قال لهم ، يتوبون عن عبادة غير اللّه . ا ه منه .
وإيضاح كلامه ، أن المعنى أن إبراهيم ، قال لأبيه وقومه : إنني براء مما تعبدون لأجل أن يرجعوا عن الكفر إلى الحق .
والضمير في قوله لعلهم يرجعوا على هذا راجع إلى أبيه وقومه .
وعلى ما ذكرناه أولا فالضمير راجع إلى من ضل من عقبه ، لأن الضالين منهم داخلون