تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
[ الزخرف : 27 ] . وضمير الفاعل المستتر في قوله
وَجَعَلَها
[ الزخرف : 28 ] . قال بعضهم : هو راجع إلى إبراهيم وهو ظاهر السياق . وقال بعضهم : هو راجع إلى اللّه تعالى . فعلى القول الأول فالمعنى صيّر إبراهيم تلك الكلمة باقية في عقبه أي ولده وولد ولده . وإنما جعلها إبراهيم باقية فيهم لأنه تسبب لذلك بأمرين : أحدهما : وصيته لأولاده بذلك وصاروا يتوارثون الوصية بذلك عنه ، فيوصي به السلف منهم الخلف ، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ
[ البقرة 130 - 132 ] الآية . والأمر الثاني ، هو سؤاله ربه تعالى لذريته الإيمان والصلاح ، كقوله تعالى
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
[ البقرة : 124 ] ، أي واجعل من ذريتي أيضا أئمة ، وقوله تعالى عنه
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
[ إبراهيم : 40 ] وقوله عنه
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
( 35 ) [ إبراهيم : 35 ] وقوله عنه هو وإسماعيل
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
إلى قوله
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ
[ البقرة : 128 - 129 ] . وقد أجاب اللّه دعاءه في بعث الرسول المذكور ببعثه محمدا صلى اللّه عليه وسلم . ولذا جاء في الحديث عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « أنا دعوة إبراهيم » « 1 » . وقد جعل اللّه الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته ، كما قال تعالى في سورة العنكبوت
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ
[ العنكبوت : 27 ] ، وقال عنه وعن نوح في سورة الحديد
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ
[ الحديد : 26 ] الآية . وعلى القول الثاني ، أن الضمير عائد إلى اللّه تعالى ، فلا إشكال . وقد بين تعالى في آية الزخرف هذه ، أن اللّه لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته ،
هامش
( 1 ) أخرجه عن العرباض بن سارية : أحمد في المسند 4 / 127 ، 128 ، والحاكم في المستدرك 2 / 600 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 150 | الشنقيطي