تعالى :
وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ
[ الأنعام : 92 ] الآية ، في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، فقلنا فيه : والجواب من وجهين .
الأول : أن المراد بقوله :
وَمَنْ حَوْلَها
[ الأنعام : 92 ] شامل لجميع الأرض ، كما رواه ابن جرير « 1 » وغيره ، عن ابن عباس .
الوجه الثاني : أنا لو سلمنا تسليما جدليا ، أن قوله
وَمَنْ حَوْلَها
[ الأنعام : 92 ] لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة حرسها اللّه ، كجزيرة العرب مثلا ، فإن الآيات الأخر ، نصت على العموم كقوله
لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
( 1 ) [ الفرقان : 1 ] وذكر بعض أفراد العام بحكم العام ، لا يخصصه عند عامة العلماء ، ولم يخالف فيه إلا أبو ثور .
وقد قدمنا ذلك واضحا بأدلته في سورة المائدة ، فالآية على هذا القول كقوله
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
( 214 ) [ الشعراء : 214 ] فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم ، كما هو واضح .
والعلم عند اللّه تعالى ا ه منه .
قوله تعالى :
وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ
.
تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين :
أحدهما : أن من حكم إيحائه تعالى ، إلى نبينا صلى اللّه عليه وسلم هذا القرآن العربي ، إنذار يوم الجمع ، فقوله تعالى :
وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ
معطوف على قوله :
لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى
أي لا بد أن تنذر أم القرى وأن تنذر يوم الجمع فحذف في الأول ، أحد المفعولين وحذف في الثاني أحدهما ، فكان ما أثبت في كل منهما ، دليلا على ما حذف في الثاني ، ففي الأول حذف المفعول الثاني ، والتقدير « لتنذر أم القرى » أي أهل مكة ومن حولها ، عذابا شديدا إن لم يؤمنوا ، وفي الثاني حذف المفعول الأول ، أي وتنذر الناس يوم الجمع وهو يوم القيامة أي تخوفهم مما فيه من الأهوال ، والأوجال ليستعدوا لذلك في دار الدنيا .
والثاني : أن يوم الجمع المذكور لا ريب فيه ، أي لا شك في وقوعه ، وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة ، جاءا موضحين في آيات أخر .
أما تخويفه الناس يوم القيامة ، فقد ذكر في مواضع من كتاب اللّه كقوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
[ البقرة : 281 ] الآية . وقوله تعالى
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ
[ غافر : 18 ] الآية . وقوله تعالى :
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ( 17 ) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ
[ المزمل : 17 - 18 ] : وقوله تعالى :
أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ( 4 ) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ( 5 ) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
( 6 ) [ المطففين : 4 - 6 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة .
هامش
( 1 ) جامع البيان 7 / 180 .