تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 953

مساهمون:

ص٩٥٣
عمد وعناد ، لا عن جهل وغيّ وضلال ، فإنهم
لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
فلا ينقص به ملكه .
وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ
، أي : مساعيهم الّتي بذلوها في نصر الباطل ، بأن لا تثمر لهم إلا الخيبة والخسران ، وأعمالهم الّتي يرجون بها الثواب ، لا تقبل لعدم وجود شرطها . [ 33 ] يأمر تعالى المؤمنين بأمر به تتم وتحصل سعادتهم الدينية والدنيوية ، وهو طاعته وطاعة رسوله في أصول الدين وفروعه ، والطاعة هي : امتثال الأوامر ، واجتناب النهي على الوجه المأمور به بالإخلاص وتمام المتابعة . وقوله :
وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ
يشمل النهي عن إبطالها بعد عملها ، بما يفسدها ، من منّ بها وإعجاب ، وفخر وسمعة ، ومن عمل بالمعاصي الّتي تضمحل معها الأعمال ، ويحبط أجرها ، ويشمل النهي عن إفسادها حال وقوعها بقطعها ، أو الإتيان بمفسد من مفسداتها . فمبطلات الصلاة والصيام والحج ونحوها ، كلها داخلة في هذا ، ومنهيّ عنها ، ويستدل الفقهاء بهذه الآية على تحريم قطع الفرض ، وكراهة قطع النفل ، من غير موجب لذلك . وإذا كان اللّه قد نهى عن إبطال الأعمال ، فهو أمر بإصلاحها ، وإكمالها وإتمامها ، والإتيان بها ، على الوجه الذي تصلح به علما وعملا . [ 34 ] هذه الآية والّتي في البقرة وهي قوله تعالى :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
مقيدتان ، لكل نص مطلق ، فيه إحباط العمل بالكفر ، فإنه مقيد بالموت عليه . فقال هنا :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
باللّه وملائكته ، وكتبه ورسله ، واليوم الآخر
وَصَدُّوا
الخلق
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
بتزهيدهم إياهم بالحق ، ودعوتهم إلى الباطل ، وتزيينه .
ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ
لم يتوبوا منه
فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
لا بشفاعة ولا بغيرها ، لأنه قد تحتم عليهم العقاب ، وفاتهم الثواب ، ووجب عليهم الخلود في النار ، وسدت عليهم رحمة الرحيم الغفار . ومفهوم الآية الكريمة أنهم إن تابوا من ذلك قبل موتهم ، فإن اللّه يغفر لهم ويرحمهم ويدخلهم الجنة ، ولو كانوا مفنين أعمارهم في الكفر به والصد عن سبيله ، والإقدام على معاصيه . فسبحان من فتح لعباده أبواب الرحمة ، ولم يغلقها عن أحد ، ما دام حيا متمكنا من التوبة . وسبحان الحليم ، الذي لا يعاجل العاصين بالعقوبة ، بل يعافيهم ، ويرزقهم ، كأنهم ما عصوه مع قدرته عليهم . [ 35 ] ثمّ قال تعالى :
فَلا تَهِنُوا
أي : لا تضعفوا عن قتال عدوكم ، ويستولي عليكم الخوف ، بل اصبروا واثبتوا ، ووطّنوا أنفسكم على القتال والجلاد ، طلبا لمرضاة ربكم ، ونصحا للإسلام ، وإغضابا للشيطان .
وَ
لا
تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ
والمتاركة بينكم وبين أعدائكم ، طلبا للراحة ،
وَ
الحال أنكم
أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ
، أي : ينقصكم
أَعْمالَكُمْ
. فهذه الأمور الثلاثة ، كل منها مقتض للصبر وعدم الوهن كونهم الأعلين ، أي : قد توفرت لهم أسباب النصر ، ووعدوا من اللّه بالوعد الصادق ، فإن الإنسان لا يهن إلا إذا كان أذل من غيره وأضعف عددا ، أو عددا وقوة داخلية وخارجية . الثاني : أن اللّه معهم ، فإنهم مؤمنون ، واللّه مع المؤمنين ، بالعون والنصر والتأييد ، وذلك موجب لقوة قلوبهم ، وإقدامهم على عدوهم . الثالث : أن اللّه لا ينقصهم من أعمالهم شيئا ،