تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 955

مساهمون:

ص٩٥٥

تفسير سورة الفتح

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 ] هذا الفتح المذكور هو صلح الحديبية ، حين صد المشركون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما جاء معتمرا في قصة طويلة ، صار آخر أمرها أن صالحهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ، وعلى أن يعتمر من العام المقبل ، وعلى أن من أراد أن يدخل في عهد قريش وحلفهم دخل ، ومن أحب أن يدخل في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعقده فعل . وسبب ذلك أنه لما أمن الناس بعضهم بعضا ، اتسعت دائرة الدعوة لدين اللّه عزّ وجل ، وصار كل مؤمن بأي محل كان من تلك الأقطار ، يتمكن من ذلك . وأمكن ذلك للحريص على الوقوف على حقيقة الإسلام ، فدخل الناس في تلك المدة في دين اللّه أفواجا ، فلذلك سماه اللّه فتحا ووصفه بأنه فتح مبين ، أي : ظاهر جلي . وذلك لأن المقصود من فتح بلدان المشركين إعزاز دين اللّه ، وانتصار المسلمين ، وهذا حصل به الفتح ، ورتب اللّه على هذا الفتح عدة أمور ، فقال : [ 2 ]
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
وذلك - واللّه أعلم - بسبب ما حصل بسببه من الطاعات الكثيرة ، والدخول في الدين بكثرة . وبما تحمّل صلّى اللّه عليه وسلّم من تلك الشروط الّتي لا يصبر عليها ، إلا أولو العزم من المرسلين ، وهذا من أعظم مناقبه ، وكراماته صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
بإعزاز دينك ، ونصرك على أعدائك ، واتساع كلمتك ،
وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً
تنال به السعادة الأبدية ، والفلاح السرمدي . [ 3 ]
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً
( 3 ) ، أي : قويا لا يتضعضع فيه الإسلام ، بل يحصل الانتصار التام ، وقمع الكافرين ، وذلهم ونقصهم ، مع توفر المسلمين ونموهم ، ونمو أموالهم . ثمّ ذكر آثار هذا الفتح على المؤمنين ، فقال :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ
، إلى :
وَساءَتْ مَصِيراً
. [ 4 ] يخبر تعالى عن منّته على المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم ، وهي : السكون والطمأنينة ، والثبات عند نزول المحن المقلقلة ، والأمور الصعبة الّتي تشوش القلوب وتزعج الألباب وتضعف النفوس . فمن نعمة اللّه على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه ، وينزل عليه السكينة ، ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت ، ونفس مطمئنة ، فيستعد بذلك لإقامة أمر اللّه في هذه الحال ، فيزداد بذلك إيمانه ، ويتم إيقانه . فالصحابة رضي اللّه عنهم لما جرى بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمشركين ، من تلك الشروط الّتي ظاهرها أنها غضاضة عليهم ، وحط من أقدارهم ، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس . فلما صبروا عليها ، ووطنوا أنفسهم لها ، ازدادوا بذلك إيمانا مع إيمانهم . وقوله :
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، أي : جميعها في ملكه ، وتحت تدبيره وقهره . فلا يظن المشركون أن اللّه لا ينصر دينه ونبيه ، ولكنه تعالى عليم حكيم ، فتقتضي حكمته المداولة بين الناس في الأيام ، وتأخير نصر المؤمنين إلى وقت آخر . [ 5 ]
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
فهذا أعظم ما يحصل للمؤمنين ، أي : يحصل لهم المرغوب المطلوب ، بدخول الجنات ، ويزيل عنهم المحذور بتكفير السيئات .
وَكانَ ذلِكَ
الجزاء المذكور للمؤمنين
عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً
، فهذا ما يفعل بالمؤمنين في ذلك الفتح المبين . [ 6 ] وأما المنافقون والمنافقات ، والمشركون والمشركات ، فإن اللّه يعذبهم بذلك ، ويريهم ما يسوؤهم ، حيث كان مقصودهم خذلان المؤمنين ، وظنوا باللّه ظن السوء ، أنه لا ينصر دينه ، ولا يعلى كلمته ، وأن أهل الباطل ، ستكون لهم الدائرة على أهل الحقّ ، فأدار اللّه عليهم ظنهم ، وكانت دائرة السوء عليهم في الدنيا .
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
بما
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 955 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي