تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 952

مساهمون:

ص٩٥٢
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
( 22 ) ، أي : فهما أمران ، إما التزام لطاعة اللّه ، وامتثال لأوامره ، فثمّ الخير والرشد والفلاح ، وإما الإعراض عن ذلك ، والتولّي عن طاعة اللّه فما ثمّ إلا الفساد في الأرض ، بالعمل بالمعاصي ، وقطيعة الأرحام . [ 23 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ
أفسدوا في الأرض ، وقطعوا أرحامهم
لَعَنَهُمُ اللَّهُ
بأن أبعدهم عن رحمته ، وقربوا من سخط اللّه .
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ
، أي : جعلهم لا يسمعون ما ينفعهم ، ولا يبصرونه . فلهم آذان ولكن لا تسمع سماع إذعان وقبول ، وإنّما تسمع سماعا تقوم بها حجة اللّه عليها ، ولهم أعين ، ولكن لا يبصرون بها العبر والآيات ، ولا يلتفتون بها إلى البراهين والبينات . [ 24 ]
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
أي : فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب اللّه ، ويتأملونه حق التأمل ، فإنهم لو تدبروه ، لدلّهم على كل خير ، ولحذّرهم من كل شر ، ولملأ قلوبهم من الإيمان ، وأفئدتهم من الإيقان . ولأوصلهم إلى المطالب العالية ، والمواهب الغالية ، ولبيّن لهم الطريق الموصلة إلى اللّه ، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها ، والطريق الموصلة إلى العذاب ، وبأي شيء يحذر . ولعرّفهم بربهم ، وأسمائه وصفاته ، وإحسانه ، ولشوّقهم إلى الثواب الجزيل ، ورهّبهم من العقاب الوبيل .
أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
، أي : قد أغلق على ما فيها من الإعراض والغفلة والاعتراض ، وأقفلت ، فلا يدخلها خير أبدا ؟ هذا هو الواقع . [ 25 ] يخبر تعالى عن حالة المرتدين عن الهدى والإيمان ، على أعقابهم ، إلى الضلال والكفران . ذلك لا عن دليل دلهم ، ولا برهان ، وإنّما هو تسويل من عدوهم الشيطان وتزيين لهم ، وإملاء منه لهم :
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
( 120 ) . [ 26 ] و
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ
قد تبين لهم الهدى ، فزهدوا فيه ، ورفضوه ، و
قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ
من المبرزين العداوة للّه ولرسوله
سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ
، أي : الذي يوافق أهواءهم ، فلذلك عاقبهم اللّه بالضلال ، والإقامة على ما يوصلهم إلى الشقاء الأبدي ، والعذاب السرمدي .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ
فلذلك فضحهم ، وبينها لعباده المؤمنين ، لئلا يغتروا بها . [ 27 ]
فَكَيْفَ
ترى حالهم الشنيعة ، ورؤيتهم الفظيعة
إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ
الموكلون بقبض أرواحهم
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ
بالمقامع الشديدة ؟ [ 28 ]
ذلِكَ
العذاب الذي استحقوه ونالوه ( ب ) سبب أنهم
اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ
من كل كفر وفسوق وعصيان .
وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ
فلم يكن لهم رغبة فيما يقربهم إليه ، ولا يدنيهم منه ،
فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ
، أي : أبطلها وأذهبها ، وهذا بخلاف من اتبع ما يرضي اللّه وكره سخطه ؛ فإنه سيكفر عنه سيئاته ، ويضاعف له أجره وثوابه . [ 29 ] يقول تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
من شبهة أو شهوة بحيث تخرج القلب عن حال صحته واعتداله .
أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ
ما في قلوبهم من
أَضْغانَهُمْ
وعداوتهم للإسلام وأهله ؟ هذا ظن لا يليق بحكمة اللّه ، فإنه لا بد أن يميز الصادق من الكاذب ، وذلك بالابتلاء بالمحن الّتي من ثبت عليها ، ودام إيمانه فيها فهو المؤمن حقيقة . ومن ردته على عقبيه فلم يصبر عليها ، وحين أتاه الامتحان ، جزع وضعف إيمانه ، وظهر ما في قلبه من الضغن ، وتبين نفاقه ، هذا مقتضى الحكمة الإلهية ، مع أنه تعالى قال : [ 30 ]
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ
، أي : بعلاماتهم الّتي هي كالرسم في وجوههم .
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
، أي : لا بد أن يظهر ما في قلوبهم ، ويتبين بفلتات ألسنتهم . فإن الألسن مغارف القلوب ، يظهر فيها ما في القلوب من الخير والشر
وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ
فيجازيكم عليها . [ 31 ] ثمّ ذكر أعظم امتحان يمتحن به عباده ، وهو الجهاد في سبيل اللّه ، فقال :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
، أي : نختبر إيمانكم وصبركم
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
، فمن امتثل أمر اللّه وجاهد في سبيل اللّه بنصر دينه وإعلاء كلمته فهو المؤمن حقا ، ومن تكاسل عن ذلك ، كان ذلك نقصا في إيمانه . [ 32 ]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
هذا وعيد شديد لمن جمع أنواع الشر كلها ، من الكفر باللّه ، وصد الخلق عن سبيل اللّه الذي نصبه موصلا إليه .
وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى
، أي : عاندوه ، وخالفوه عن