تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 951

مساهمون:

ص٩٥١
والتأمل في آياته - فإنه الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد ويحصل به من تفاصيله وجمله ، ما لا يحصل في غيره . وقوله :
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
، أي : اطلب من اللّه المغفرة لذنبك ، بأن تفعل أسباب المغفرة من التوبة والدعاء بالمغفرة ، والحسنات الماحية ، وترك الذنوب والعفو عن الجرائم .
وَ
استغفر أيضا
لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
فإنهم - بسبب إيمانهم - كان لهم حق على كل مسلم ومسلمة . ومن جملة حقوهم أن يدعي لهم ويستغفر لذنوبهم . وإذا كان مأمورا بالاستغفار لهم المتضمن لإزالة الذنوب وعقوباتها عنهم ، فإن من لوازم ذلك النصح لهم ، وأن يحب لهم من الخير ما يحب لنفسه ، ويكره لهم من الشر ما يكره لنفسه ، ويأمرهم بما فيه الخير لهم ، وينهاهم عما فيه ضررهم ، ويعفو عن مساويهم ومعايبهم ، ويحرص على اجتماعهم اجتماعا تتألف به قلوبهم ، ويزول ما بينهم من الأحقاد المفضية للمعاداة والشقاق ، الذي به تكثر ذنوبهم ومعاصيهم .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ
أي : تصرفاتكم وحركاتكم ، وذهابكم ومجيئكم ،
وَمَثْواكُمْ
الذي به تستقرون ، فهو يعلمكم في الحركات والسكنات ، فيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه . [ 20 ] يقول تعالى :
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا
استعجالا ومبادرة للأوامر الشاقة :
لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ
، أي : فيها الأمر بالقتال .
فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ
، أي : ملزم العمل بها ،
وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ
، الذي هو أشق شيء على النفوس ، لم يثبت ضعفاء الإيمان على امتثال هذه الأوامر ، ولهذا قال :
رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
من كراهتهم لذلك ، وشدته عليهم . وهذا كقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
. [ 21 ] ثمّ ندبهم تعالى إلى ما هو الأليق بحالهم ، فقال :
فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ
، أي : فأولى لهم أن يمتثلوا الأمر الحاضر المحتم عليهم ، ويجمعوا عليه هممهم ، ولا يطلبوا أن يشرع لهم ما هو شاق عليهم ، وليفرحوا بعافية اللّه تعالى وعفوه .
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ
، أي : جاءهم أمر جد ، وأمر حتم
فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ
في هذه الحال بالاستعانة به ، وبذل الجهد في امتثاله
لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
من حالهم الأولى ، وذلك من وجوه : منها : إن العبد ناقص من كل وجه ، لا قدرة له إلا إن أعانه اللّه ، فلا يطلب زيادة على ما هو قائم بصدده . ومنها : أنه إذا تعلقت نفسه بالمستقبل ، ضعف عن العمل ، بوظيفة وقته الحاضر ، وبوظيفة المستقبل . أما الحال ، فلأن الهمة انتقلت عنه إلى غيره ، والعمل تبع للهمة ، وأما المستقبل ، فإنه لا يجيء حتى تفتر الهمة عن نشاطها فلا يعان عليه . ومنها : أن العبد المؤمل للآمال المستقبلة ، مع كسله عن عمل الوقت الحاضر ، شبيه بالمتألّي الذي يجزم بقدرته ، على ما يستقبل من أموره . فأحرى به أن يخذل ولا يقوم بما همّ به ، وتوعّد نفسه عليه ، فالذي ينبغي أن يجمع العبد همه وفكره ونشاطه على وقته الحاضر ، ويؤدي وظيفته بحسب قدرته . ثمّ كلما جاء وقت استقبله بنشاط ، وهمة عالية مجتمعة غير متفرقة ، مستعينا بربه في ذلك ، فهذا أحرى بالتوفيق والتسديد في جميع أموره . [ 22 ] ثمّ ذكر تعالى المتولّي عن طاعة ربه ، وأنه لا يتولى إلى خير ، بل إلى شر ، فقال :
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ