تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 950

مساهمون:

ص٩٥٠
أي : ختم عليها ، وسد أبواب الخير التي تصل إليها بسبب اتباعهم أهواءهم ، التي لا يهوون فيها إلا الباطل . ثم بين حال المهتدين ، فقال : [ 17 ]
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا
بالإيمان والانقياد ، واتباع ما يرضي اللّه
زادَهُمْ هُدىً
شكرا منه تعالى على ذلك ،
وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
، أي : وفقهم للخير ، وحفظهم من الشر ، فذكر للمهتدين جزاءين : العلم النافع ، والعمل الصالح . [ 18 ] أي : فهل ينظر هؤلاء المكذبون أو ينتظرون
إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً
، أي : فجأة ، وهم لا يشعرون
فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها
، أي : علاماتها الدالة على قربها .
فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ
، أي : من أين لهم ، إذا جاءتهم الساعة وانقطعت آجالهم أن يتذكروا ويستعتبوا ؟ فقد فات ذلك ، وذهب وقت التذكر ، فقد عمروا ما يتذكر فيه من تذكر ، وجاءهم النذير . ففي هذا الحث على الاستعداد قبل مفاجأة الموت ، فإن موت الإنسان قيام ساعته . [ 19 ] العلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته ، بمعنى ما طلب منه علمه ، وتمامه أن يعمل بمقتضاه . وهذا العلم الذي أمر اللّه به - وهو العلم بتوحيد اللّه - فرض عين على كل إنسان ، لا يسقط عن أحد ، كائنا من كان ، بل كلّ مضطر إلى ذلك . والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا اللّه ، أمور : أحدها بل أعظمها : - تدبر أسمائه وصفاته ، وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلاله . فإنها توجب بذل الجهد في التأله له ، والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال . الثاني : العلم بأنه تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير ، فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية . الثالث : العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة ، الدينية والدنيوية ، فإن ذلك يوجب تعلق القلب به ومحبته ، والتأله له وحده لا شريك له . الرابع : ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه القائمين بتوحيده من النصر والنعم العاجلة ، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به ، فإن هذا داع إلى العلم ، بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها . الخامس : معرفة أوصاف الأوثان والأنداد الّتي عبدت مع اللّه ، واتخذت آلهة ، وأنها ناقصة من جميع الوجوه ، فقيرة بالذات ، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ولا حياة ، ولا نشورا ، ولا ينصرون من عبدهم ، ولا ينفعونهم بمثقال ذرة ، من جلب خير أو دفع شر ، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا اللّه وبطلان إلهية ما سواه . السادس : اتفاق كتب اللّه على ذلك ، وتواطؤها عليه . السابع : أن خواص الخلق ، الّذين هم أكمل الخليقة أخلاقا وعقولا ، ورأيا وصوابا ، وعلما - وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون - قد شهدوا للّه بذلك . الثامن : ما أقامه اللّه من الأدلة الأفقية والنفسية ، الّتي تدل على التوحيد أعظم دلالة ، تنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطف صنعته ، وبديع حكمته وغرائب خلقه . فهذه الطرق الّتي أكثر اللّه من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا اللّه ، وأبداها في كتابه وأعادها ؛ عند تأمل العبد في بعضها ، لا بد أن يكون عنده يقين وعلم بذلك ، فكيف إذا اجتمعت وتواطأت واتفقت ، وقامت أدلة للتوحيد من كل جانب ، فهناك يرسخ الإيمان والعلم بذلك ، في قلب العبد ، بحيث يكون كالجبال الرواسي ، لا تزلزله الشبه والخيالات ، ولا يزداد - على تكرر الباطل والشبه - إلا نموا وكمالا . هذا وإن نظرت إلى الدليل العظيم ، والأمر الكبير - وهو تدبر هذا القرآن العظيم ،