تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 956

مساهمون:

ص٩٥٦
اقترفوه من المحادّة للّه ولرسوله .
وَلَعَنَهُمْ
، أي : أبعدهم وأقصاهم عن رحمته
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
. [ 7 ] كرر الإخبار بأن له ملك السماوات والأرض وما فيهما من الجنود ، ليعلم العباد أنه تعالى هو المعز المذل ، وأنه سينصر جنوده المنسوبة إليه ، كما قال تعالى :
وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
( 173 ) .
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
، أي : قويا غالبا ، قاهرا لكل شيء . ومع عزته وقوته ، حكيم في خلقه وتدبيره ، يجري على ما تقتضيه حكمته وإتقانه . [ 8 ] أي :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ
أيها الرسول الكريم
شاهِداً
لأمتك بما فعلوه من خير وشر ، وشاهدا على المقالات والمسائل ، حقها وباطلها ، وشاهدا للّه تعالى بالوحدانية والانفراد بالكمال ، من كل وجه .
وَمُبَشِّراً
من أطاعك ، وأطاع اللّه بالثواب الدنيوي والديني ، والأخروي ،
وَنَذِيراً
لمن عصى اللّه ، بالعقاب العاجل والآجل . ومن تمام البشارة والنذارة ، بيان الأعمال والأخلاق ، الّتي يبشر بها وينذر ، فهو المبين للخير والشر ، والسعادة والشقاوة ، والحقّ من الباطل . [ 9 ] ولهذا رتب على ذلك قوله :
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
، أي : بسبب دعوة الرسول لكم ، وتعليمه لكم ما ينفعكم ، أرسلناه لتقوموا بالإيمان باللّه ورسوله ، المستلزم ذلك لطاعتهما في جميع الأمور .
وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
، أي : تعزروا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتوقروه ، أي : تعظموه وتجلوه ، وتقوموا بحقوقه ، كما كانت له المنة العظيمة في رقابكم .
وَتُسَبِّحُوهُ
، أي : تسبحوا للّه
بُكْرَةً وَأَصِيلًا
أول النهار وآخره ، فذكر اللّه في هذه الآية الحقّ المشترك بين اللّه وبين رسوله ، وهو الإيمان بهما ، والمختص بالرسول ، وهو : التعزير والتوقير ، والمختص باللّه ، وهو التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها . [ 10 ] هذه المبايعة الّتي أشار اللّه إليها هي « بيعة الرضوان » الّتي بايع الصحابة رضي اللّه عنهم فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، على أن لا يفروا عنه ، فهي عقد خاص ، من لوازمه : أن لا يفروا ، ولو لم يبق منهم إلا القليل ، ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيها . فأخبر تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ
حقيقة الأمر أنهم
إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
، ويعقدون العقد معه ، حتى إنه من شدة تأكده أنه قال :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
، أي : كأنهم بايعوا اللّه وصافحوه بتلك المبايعة ، وكل هذا لزيادة التأكيد والتقوية ، وحملهم على الوفاء بها ، ولهذا قال :
فَمَنْ نَكَثَ
فلم يف بما عاهد اللّه عليه
فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
، لأن وبال ذلك راجع إليه ، وعقوبته واصلة له .
وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ
، أي : أتى به كاملا موفرا .
فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
، لا يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه . [ 11 ] يذم تعالى المتخلفين عن رسول اللّه ، في الجهاد في سبيله ، من الأعراب ، الّذين ضعف إيمانهم ، وكان في قلوبهم مرض ، وسوء ظن باللّه تعالى ، وأنهم سيعتذرون ، بأن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن الخروج في سبيله . وأنهم طلبوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يستغفر لهم ، قال اللّه تعالى :
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
فإن طلبهم الاستغفار من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدل على ندمهم ، وإقرارهم على أنفسهم بالذنب ، وأنهم تخلفوا تخلفا يحتاج إلى توبة واستغفار . فلو لا هذا الذي في قلوبهم ، لكان استغفار الرسول نافعا لهم ، لأنهم قد تابوا وأنابوا ، ولكن الذي في قلوبهم ، أنهم