تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 949

مساهمون:

ص٩٤٩
الأنهار ، الّتي تسقي تلك البساتين الزاهرة ، والأشجار الناضرة المثمرة ، بكل زوج بهيج ، وكل فاكهة لذيذة . ولما ذكر أن الكافرين لا مولى لهم ، ذكر أنهم وكلوا إلى أنفسهم ، فلم يتصفوا بصفات المروءة ، ولا الصفات الإنسانية . بل نزلوا عنها دركات ، وصاروا كالأنعام ، الّتي لا عقل لها ولا فضل ، بل جلّ همهم ومقصدهم التمتع بلذات الدنيا وشهواتها ، فترى حركاتهم الظاهرة والباطنة ، دائرة حولها ، غير متعدية لها إلى ما فيه الخير والسعادة ، ولهذا كانت النار مثوى لهم ، أي : منزلا معدا ، لا يخرجون منها ، ولا يفتر عنهم من عذابها . [ 13 ] أي : وكم من قرية من قرى المكذبين ، هي أشد قوة من قريتك ، في الأموال والأولاد والأعوان ، والأبنية والآلات .
أَهْلَكْناهُمْ
، حين كذبوا رسلنا ، ولم تفد فيهم المواعظ ، فلا تجد لهم ناصرا ، ولم تغن عنهم قوتهم من عذاب اللّه شيئا . فكيف حال هؤلاء الضعفاء ، أهل قريتك ، إذا أخرجوك عن وطنك وكذبوك ، وعادوك وأنت أفضل المرسلين ، وخير الأولين والآخرين ؟ أليسوا بأحق من غيرهم بالإهلاك والعقوبة ، لولا أن اللّه تعالى بعث رسوله بالرحمة والتأني ، بكل كافر وجاحد ؟ [ 14 ] أي : لا يستوي من هو على بصيرة من أمر دينه ، علما وعملا ، قد علم الحقّ واتبعه ، ورجا ما وعده اللّه لأهل الحقّ ، كمن هو أعمى القلب ، قد رفض الحقّ وأضله ، واتبع هواه بغير هدى من اللّه ، ومع ذلك ، يرى أن ما هو عليه هو الحقّ ، فما أبعد الفرق بين الفريقين وما أعظم التفاوت بين الطائفتين ، أهل الحقّ وأهل الغيّ . [ 15 ]
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
، أي : الّتي أعدها اللّه لعباده ، الّذين اتقوا سخطه ، واتبعوا رضوانه ، أنها من نعتها ، وصفتها الجميلة .
فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
، أي : غير متغير ، لا بوخم ولا بريح منتنة ، ولا بحرارة ، ولا بكدورة ، بل هو أعذب المياه وأصفاها ، وأطيبها ريحا ، وألذها شربا .
وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ
بحموضة ولا غيرها ،
وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
، أي : يلتذ بها لذة عظيمة ، لا كخمر الدنيا الّتي يكره مذاقها وتصدع الرأس ، وتغول العقل .
وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
من شمعه وسائر أوساخه .
وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
من نخيل ، وعنب ، وتفاح ، ورمان ، وأترج ، وتين ، وغير ذلك مما لا نظير له في الدنيا ، فهذا المحبوب المطلوب قد حصل لهم . ثمّ قال :
وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ
يزول بها عنهم المرهوب ، فهؤلاء خير أم
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ
الّتي اشتد حرها ، وتضاعف عذابها ،
وَسُقُوا
فيها
ماءً حَمِيماً
، أي : حارا جدا ،
فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ
. فسبحان من فاوت بين الدارين والجزاءين والعاملين والعملين . [ 16 ] يقول تعالى : ومن المنافقين
مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
ما تقول استماعا ، لا عن قبول وانقياد ، بل معرضة قلوبهم عنه ، ولهذا قال :
حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
مستفهمين عما قلت ، وما سمعوا ، مما لم يكن لهم فيه رغبة
ما ذا قالَ آنِفاً
، أي : قريبا . وهذا في غاية الذم لهم ، فإنهم لو كانوا حريصين على الخير لألقوا إليه أسماعهم ، ووعته قلوبهم ، وانقادت له جوارحهم ، ولكنهم بعكس هذه الحال ، ولهذا قال :
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 949 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي