تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 909

مساهمون:

ص٩٠٩
النافع ، الذي ما بالعباد من نعمة ، إلا منه ، ولا يدفع الشر ، إلا هو و
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
. ولهذا قال هنا :
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ
أي : يوسعه ويعطيه من أصناف الرزق ، ما شاء
وَيَقْدِرُ
أي : يضيق على من يشاء ، حتى يكون بقدر حاجته ، لا يزيد عنها ، وكل هذا تابع لعلمه وحكمته ، فلهذا قال :
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
فيعلم أحوال عباده ، فيعطي كلّا ، ما يليق بحكمته ، وتقتضيه مشيئته . [ 13 ] هذه أكبر منة أنعم اللّه بها على عباده ، أن شرع لهم من الدين خير الأديان وأفضلها ، وأزكاها وأطهرها ؛ دين الإسلام ، الذي شرعه اللّه للمصطفين المختارين من عباده . بل شرعه اللّه لخيار الخيار ، وصفة الصفوة وهم أولو العزم من المرسلين المذكورون في هذه الآية ، أعلى الخلق درجة ، وأكملهم من كل وجه . فالدين الذي شرعه اللّه لهم ، لا بد أن يكون مناسبا لأحوالهم ، وموافقا لكمالهم ، بل إنما كملهم اللّه واصطفاهم ، بسبب قيامهم به . فلو لا الدين الإسلامي ، ما ارتفع أحد من الخلق ، فهو روح السعادة ، وقطب رحى الكمال ، وهو ما تضمنه هذا الكتاب الكريم ، ودعا إليه من التوحيد والأعمال ، والأخلاق ، والآداب . وقال :
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
أي : أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه ، تقيمونه بأنفسكم ، وتجتهدون في إقامته على غيركم ، وتعاونون على البر والتقوى ولا تعاونون على الإثم والعدوان .
وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
أي : ليحصل منكم اتّفاق على أصول الدين وفروعه . واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل ، وتحزبكم أحزابا وشيعا ، يعادي بعضكم بعضا ، مع اتفاقكم على أصل دينكم . ومن أنواع الاجتماع على الدين وعدم التفرق فيه ، ما أمر به الشارع من الاجتماعات العامة ، كاجتماع الحج والأعياد ، والجمع ، والصلوات الخمس ، والجهاد ، وغير ذلك ، من العبادات ، التي لا تتم ، ولا تكمل إلا بالاجتماع لها ، وعدم التفرق .
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
أي : شق عليهم غاية المشقة ، حيث دعوتهم إلى الإخلاص للّه وحده ، كما قال عنهم :
وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
( 45 ) وقولهم :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
( 5 ) .
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ
أي : يختار من خليقته من يعلم أنه يصلح للاجتباء لرسالته وولايته . ومنه ، أن اجتبى هذه الأمة ، وفضّلها على سائر الأمم ، واختار لها أفضل الأديان وخيرها .
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
هذا السبب الذي من العبد ، يتوصل به إلى هداية اللّه تعالى وهو : إنابته لربه ، وانجذاب دواعي قلبه إليه ، وكونه قاصدا وجهه . فحسن مقصد العبد ، مع اجتهاده في طلب الهداية ، من أسباب التيسير لها ، كما قال تعالى :
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ
. وفي هذه الآية ، أن اللّه
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
مع قوله :
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ
مع العلم بأحوال الصحابة رضي اللّه عنهم ، وأن شدة إنابتهم ، دليل على أن قولهم حجة ، خصوصا الخلفاء الراشدين ، رضي اللّه عنهم أجمعين . [ 14 ] لما أمر تعالى باجتماع المسلمين على دينهم ، ونهاهم عن التفرق ، أخبرهم أنهم ينبغي لهم أن لا يغتروا بما أنزل اللّه عليهم من الكتاب . فإن أهل الكتاب لم يتفرقوا حتى أنزل اللّه عليهم الكتاب الموجب للاجتماع ، ففعلوا ضد
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 909 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي