تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 911

مساهمون:

ص٩١١
جميع الحجج التي أوصلها إلى العباد ، ترجع إليه فقال :
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ
فالكتاب ، هو هذا القرآن العظيم ، نزل بالحق ، واشتمل على الحقّ ، والصدق ، واليقين ، وكله آيات بيّنات ، وأدلة واضحات ، على جميع المطالب الإلهية ، والعقائد الدينية ، فجاء بأحسن المسائل ، وأوضح الدلائل . وأما الميزان ، فهو العدل والاعتبار بالقياس الصحيح ، والعقل الرجيح . فكل الدلائل العقلية ، من الآيات الأفقية والنفسية ، والاعتبارات الشرعية ، والمناسبات ، والعلل ، والأحكام ، والحكم ، داخلة في الميزان ، الذي أنزله اللّه تعالى ، ووضعه بين عباده ، ليزنوا به ما أثبته وما نفاه من الأمور ، ويعرفوا به صدق ما أخبر به ، وأخبرت به رسله ، مما خرج عن هذين الأمرين - عن الكتاب والميزان - وما قيل إنه حجة أو برهان ، أو دليل ، أو نحو ذلك من العبارات ، فإنه باطل متناقض ، قد فسدت أصوله ، وانهدمت مبانيه وفروعه . يعرف ذلك من خبر المسائل ومآخذها ، وعرف التمييز بين راجح الأدلة ومرجوحها ، والفرق بين الحجج والشبه . وأما من اغتر بالعبارات المزخرفة ، والألفاظ المموهة ، ولم تنفذ بصيرته إلى المعنى المراد ، فإنه ليس من أهل هذا الشأن ، ولا من فرسان هذا الميدان ، فوفاقه وخلافه سيان . ثمّ قال تعالى - مخوفا للمستعجلين لقيام الساعة ، المنكرين لها :
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
أي : ليس بمعلوم وقتها وبعدها ، ولا متى تقوم ، فهي في كل وقت ، متوقع وقوعها ، مخوف وجبتها . [ 18 ]
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها
عنادا وتكذيبا ، وتعجيزا لربهم .
وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها
أي : خائفون ، لإيمانهم بها ، وعلمهم بما اشتملت عليه من الجزاء بالأعمال ، وخوفهم ، لمعرفتهم بربهم ، أن لا تكون أعمالهم منجية ولا مسعدة ، ولهذا قال :
وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ
الذي لا مرية فيه ، ولا شك يعتريه .
أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ
أي : بعد ما امتروا فيها ، ماروا الرسل وأتباعهم بإثباتها
لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
في غاية البعد عن الحقّ . وأيّ بعد ، أبعد ممن كذّب بالدار ، التي هي الدار على الحقيقة ، وهي الدار التي خلقت للبقاء الدائم ، والخلود السرمد ، وهي دار الجزاء ، التي يظهر اللّه فيها عدله وفضله ؟ وإنّما هذه الدار بالنسبة إليها ، كراكب قال في ظل شجرة ، ثمّ رحل وتركها ، وهي دار عبور وممر ، لا محل استقرار . فصدقوا في الدار المضمحلة الفانية ، حيث رأوها وشاهدوها ، وكذبوا بالدار الآخرة ، التي تواترت بالإخبار عنها الكتب الإلهية ، والرسل الكرام وأتباعهم ، الّذين هم أكمل الخلق عقولا ، وأغزرهم علما ، وأعظمهم فطنة وفهما . [ 19 ] يخبر تعالى أنه
لَطِيفٌ بِعِبادِهِ
ليعرفوه ويحبوه ، ويتعرضوا للطفه وكرمه . واللطف من أوصافه تعالى ، معناه : الذي يدرك الضمائر والسرائر ، الذي يوصل عباده - وخصوصا المؤمنين - إلى ما فيه الخير لهم من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون . فمن لطفه بعبده المؤمن ، أن هداه إلى الخير ، هداية لا تخطر بباله ، بما يسر له من الأسباب الداعية إلى ذلك ، من فطرته على محبة الحقّ والانقياد له وإيعازه تعالى لملائكته الكرام ، أن يثبتوا عباده المؤمنين ، ويحثوهم على الخير ، ويلقوا في قلوبهم من تزيين الحقّ ، ما يكون داعيا لاتباعه . ومن لطفه أن أمر المؤمنين ، بالعبادات
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 911 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي