تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 906

مساهمون:

ص٩٠٦
ويتشوش من إتيان الأسباب ، على غير ما يحب ويطلب . إلا الّذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فإنهم إذا أصابهم الخير والنعمة والمحاب ، شكروا اللّه تعالى ، وخافوا أن تكون نعم اللّه عليهم ، استدراجا وإمهالا . وإن أصابتهم مصيبة ، في أنفسهم ، وأموالهم ، وأولادهم ، صبروا ، ورجوا فضل ربهم ، فلم ييأسوا . ثمّ قال تعالى :
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ
أي : الإنسان الذي يسأم من دعاء الخير ، وإن مسه الشر فيئوس
رَحْمَةً مِنَّا
أي : بعد ذلك الشر الذي أصابه ، بأن عافاه اللّه من مرضه ، أو أغناه من فقره ، فإنه لا يشكر اللّه تعالى ، بل يبغي ، ويطغى ، ويقول :
هذا لِي
أي : أتاني ، لأني له أهل ، وأنا مستحق له
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
، وهذا إنكار منه للبعث ، وكفر للنعمة والرحمة ، الّتي أذاقها اللّه له .
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
أي : على تقدير إتيان الساعة ، وأني سأرجع إلى ربي ، إن لي عنده للحسنى . فكما حصلت لي النعمة في الدنيا ، فإنها ستحصل لي في الآخرة . وهذا من أعظم الجرأة والقول على اللّه بلا علم ، فلهذا توعده بقوله :
فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
أي : شديد جدا .
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ
بصحة ، أو رزق ، أو غيرهما
أَعْرَضَ
عن ربه وعن شكره
وَنَأى
ترفّع
بِجانِبِهِ
عجبا وتكبرا .
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ
أي : المرض ، أو الفقر ، أو غيرهما
فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
أي : كثير جدا ، لعدم صبره . فلا صبر في الضراء ، ولا شكر في الرخاء ، إلا من هداه اللّه ومنّ عليه . [ 52 ] أي
قُلْ
لهؤلاء المكذبين بالقرآن المسارعين إلى الكفران :
أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ
هذا القرآن
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
من غير شك ولا ارتياب .
ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
أي : معاندة للّه ولرسوله ، لأنه تبين لكم الحقّ والصواب ، ثمّ عدلتم عنه ، لا إلى حق ، بل إلى باطل وجهل . فإذا تكونون أضلّ الناس وأظلمهم . [ 53 ] فإن قلتم ، أو شككتم بصحته وحقيقته ، فسيقيم اللّه لكم ، ويريكم من آياته ، حيث قال تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ
كالآيات الّتي في السماء وفي الأرض ، وما يحدثه اللّه تعالى من الحوادث العظيمة ، الدالة للمستبصر على الحقّ .
وَفِي أَنْفُسِهِمْ
مما اشتملت عليه أبدانهم ، من بديع آيات اللّه ، وعجائب صنعته ، وباهر قدرته ، وفي حلول العقوبات والمثلات في المكذبين ، ونصر المؤمنين .
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ
من تلك الآيات ، بيانا لا يقبل الشك
أَنَّهُ الْحَقُّ
وما اشتمل عليه حق . وقد فعل تعالى ، فإنه أرى عباده من الآيات ، ما به تبين أنه الحقّ ، ولكن اللّه هو الموفق للإيمان من يشاء ، والخاذل لمن يشاء .
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
أي : أو لم يكفهم على أن القرآن حق ، ومن جاء به صادق ، بشهادة اللّه تعالى ، فإنه قد شهد له بالتصديق ، وهو أصدق الشاهدين ، وأيده ، ونصره نصرا متضمنا شهادته القولية ، عند من شك فيها . [ 54 ]
أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ
أي : في شك من البعث والقيامة ، وليس عندهم دار ، سوى الدار الدنيا ، فلذلك لم يعملوا للآخرة ، ولم يلتفتوا لها .
أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
علما وقدرة وعزة .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 906 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي