تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 912

مساهمون:

ص٩١٢
الاجتماعية ، التي بها تقوى عزائمهم ، وتنبعث هممهم ، ويحصل منهم التنافس على الخير ، والرغبة فيه ، واقتداء بعضهم ببعض . ومن لطفه ، أن قيّض لعبده كل سبب يعوقه ويحول بينه وبين المعاصي . حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرئاسة ونحوها ، مما يتنافس فيه أهل الدنيا ، تقطع عبده عن طاعته ، أو تحمله على الغفلة عنه ، أو على معصيته ، صرفها عنه ، وقدر عليه رزقه ، ولهذا قال هنا :
يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ
بحسب اقتضاء حكمته ولطفه
وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ
الذي له القوة كلها ، فلا حول ولا قوة لأحد من المخلوقين ، إلّا به ، الذي دانت له جميع الأشياء . [ 20 ] ثمّ قال تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ
أي : أجرها وثوابها ، فآمن بها وصدق ، وسعى لها سعيها
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
بأن نضاعف عمله وجزاءه ، أضعافا كثيرة . كما قال تعالى :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
( 19 ) ومع ذلك ، فنصيبه من الدنيا ، لا بد أن يأتيه .
وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا
بأن : كانت الدنيا ، هي مقصوده ، وغاية مطلوبه ، فلم يقدم لآخرته ، ولا رجا ثوابها ، ولم يخش عقابها .
نُؤْتِهِ مِنْها
نصيبه الذي قسم له .
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
قد حرم الجنة ونعيمها ، واستحق النار وجحيمها . وهذه الآية ، شبيهة بقوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
( 15 ) . [ 21 ] يخبر تعالى ، أن المشركين اتخذوا شركاء ، يوالونهم ويشتركون هم وإياهم ، في الكفر وأعماله ، من شياطين الإنس ، الدعاة إلى الكفر
شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
من الشرك والبدع ، وتحريم ما أحل اللّه ، وتحليل ما حرّم اللّه ونحو ذلك ، مما اقتضته أهواؤهم . مع أن الدين لا يكون إلّا ما شرعه اللّه تعالى ، ليدين به العباد ، ويتقربوا به إليه . فالأصل الحجر على كل أحد ، أن يشرع شيئا ما جاء عن اللّه ولا عن رسوله . فكيف بهؤلاء الفسقة المشركين هم وهم على الكفر .
وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
أي : لولا الأجل المسمى ، الذي ضربه اللّه فاصلا ، بين الطوائف المختلفة ، وأنه سيؤخرهم إليه ، لقضي بينهم في الوقت الحاضر ، بسعادة المحق ، وإهلاك المبطل ، لأن المقتضي للإهلاك ، موجود ، ولكن أمامهم ، العذاب الأليم في الآخرة ، هؤلاء وكل ظالم . [ 22 ] وفي ذلك اليوم
تَرَى الظَّالِمِينَ
أنفسهم بالكفر والمعاصي
مُشْفِقِينَ
أي : خائفين وجلين
مِمَّا كَسَبُوا
أن يعاقبوا عليه . ولما كان الخائف قد يقع به ، ما أشفق منه وخافه ، وقد لا يقع ، أخبر أنه
واقِعٌ بِهِمْ
العقاب ، الذي خافوه ، لأنهم أتوا بالسبب التام الموجب للعقاب ، من غير معارض ، من توبة ولا غيرها ، ووصلوا موضعا فات فيه الإنظار والإمهال .
وَالَّذِينَ آمَنُوا
بقلوبهم ، باللّه وبكتبه ، ورسله وجاءوا به .
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
يشمل فيه كل عمل صالح من أعمال القلوب ، وأعمال الجوارح من الواجبات ، والمستحبات . فهؤلاء
فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ
أي : الروضات المضافة إلى الجنات ، والمضاف يكون بحسب المضاف إليه . فلا تسأل عن بهجة تلك الرياض المونقة ، وما فيها من الأنهار المتدفقة ، والغياض المعشبة ، والمناظر الحسنة ، والأشجار المثمرة ، والطيور المغردة ، والأصوات الشجية المطربة ، والاجتماع بكل حبيب ، والأخذ من المعاشرة والمنادمة ، بأكمل نصيب . رياض لا تزداد على طول المدى ،