تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 908

مساهمون:

ص٩٠٨
عنهم المكروه . [ 9 ] والّذين
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ
يتولونهم بعبادتهم إياهم ، فقد غلطوا أقبح غلط . فاللّه ، هو الولي الذي يتولاه عبده بعبادته وطاعته ، والتقرب إليه بما أمكن من أنواع التقربات ، ويتولى عباده عموما بتدبيره ، ونفوذ القدر فيهم . ويتولى عباده المؤمنين خصوصا ، بإخراجهم من الظلمات إلى النور ، وتربيتهم بلطفه ، وإعانتهم في جميع أمورهم .
وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
أي : هو المتصرف بالإحياء والإماتة ، ونفوذ المشيئة والقدرة ، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده ، لا شريك له . [ 10 ] يقول تعالى :
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ
من أصول دينكم وفروعه ، مما لا تتفقوا عليه
فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ
يرد إلى كتابه ، وإلى سنّة رسوله ، فما حكما به ، فهو الحقّ ، وما خالف ذلك ، فباطل .
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي
أي : فكما أنه تعالى ، الرب الخالق الرازق المدبر ، فهو تعالى الحاكم بين عباده ، بشرعه في جميع أمورهم . ومفهوم الآية الكريمة ، أن اتفاق الأمة حجة قاطعة ، لأن اللّه تعالى ، لم يأمرنا أن نرد إليه إلا ما اختلفنا فيه . فما اتفقنا عليه ، يكفي اتفاق الأمة عليه ، لأنها معصومة عن الخطأ . ولا بد أن يكون اتفاقها ، موافقا لما في كتاب اللّه وسنّة رسوله . وقوله :
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
أي : اعتمدت بقلبي عليه ، في جلب المنافع ، ودفع المضار ، واثقا به تعالى في الإسعاف بذلك ،
وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
أي : أتوجه بقلبي وبدني إليه ، وإلى طاعته وعبادته . وهذان الأصلان ، كثيرا ما يذكرهما اللّه في كتابه ، لأنهما يحصل بمجموعهما ، كمال العبد ، ويفوته الكمال بفوتهما ، أو فوت أحدهما ، كقوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( 5 ) وقوله :
فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
. [ 11 ]
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : خالقهما بقدرته ومشيئته وحكمته .
جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
لتسكنوا إليها ، وتنتشر منكم الذرية ، ويحصل لكم من النفع ، ما يحصل .
وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً
أي : ومن جميع أصنافها نوعين ، ذكر ، وأنثى ، لتبقى ، وتنمو لمنافعكم الكثيرة ، ولهذا عداها باللام ، الدالة على التعليل : أي : جعل لكم من أنفسكم ، وجعل لكم من الأنعام أزواجا .
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
أي : ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته ، لا في ذاته ولا في أسمائه ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، لأن أسماءه ، كلها حسنى ، وصفاته ، صفات كمال وعظمة ، وأفعاله تعالى ، أوجد بها المخلوقات العظيمة ، من غير مشارك . فليس كمثله شيء ، لانفراده ، وتوحده بالكمال ، من كل وجه .
وَهُوَ السَّمِيعُ
لجميع الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات .
الْبَصِيرُ
يرى دبيب النملة السوداء ، في الليلة الظلماء ، على الصخرة الصماء . ويرى سريان القوت في أعضاء الحيوانات الصغيرة جدا ، وسريان الماء في الأغصان الدقيقة . وهذه الآية ونحوها ، دليل لمذاهب أهل السنة والجماعة ، من إثبات الصفات ، ونفي مماثلة المخلوقات . وفيها رد ، على المشبهة في قوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وعلى المعطلة في قوله :
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
. [ 12 ] وقوله :
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : له ملك السماوات والأرض وبيده مفاتيح الرحمة والأرزاق ، والنعم الظاهرة والباطنة . فكل الخلق مفتقرون إلى اللّه ، في جلب مصالحهم ، ودفع المضار عنهم ، في كل الأحوال ، ليس بيد أحد من الأمر شيء . واللّه تعالى هو المعطي المانع ، الضار