تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 870

مساهمون:

ص٨٧٠
بما هو تفسير له . فلا تجد فيه الحوالة على موضع من المواضع . بل كلّ موضع تجد تفسيره ، كامل المعنى ، غير مراع لما مضى ، مما يشبهه . وإن كان بعض المواضع ، يكون أبسط من بعض ، وأكثر فائدة ، وهكذا ينبغي لقارئ القرآن ، المتدبر لمعانيه ، أن لا يدع التدبر في جميع المواضع منه . فإنه يحصل له بسبب ذلك ، خير كثير ، ونفع غزير . ولما كان القرآن العظيم بهذه الجلالة والعظمة ، أثّر في قلوب أولي الألباب المهتدين فلهذا قال تعالى :
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
لما فيه من التخويف والترهيب المزعج .
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
أي : عند ذكر الرجاء والترغيب . فهو تارة يرغب لعمل الخير ، وتارة يرهبهم من عمل الشر .
ذلِكَ
الذي ذكره اللّه من تأثير القرآن فيهم .
هُدَى اللَّهِ
أي : هداية منه لعباده ، وهو من جملة فضله وإحسانه عليهم .
يَهْدِي بِهِ
أي : بسبب ذلك
مَنْ يَشاءُ
من عباده ويحتمل أن المراد بقوله
ذلِكَ
أي : القرآن الذي وصفناه لكم .
هُدَى اللَّهِ
الذي لا طريق يوصل إلى اللّه إلا منه
يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ
من عباده ممن حسن قصده ، كما قال تعالى :
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ
.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
لأنه لا طريق يوصل إليه إلا توفيقه والتوفيق بالإقبال على كتابه . فإذا لم يحصل هذا ، فلا سبيل إلى الهدى ، وما هو إلا الضلال المبين والشقاء المهين . [ 24 ] أي : هل يستوي هذا الذي هداه اللّه ، ووفقه لسلوك الطريق الموصلة لدار كرامته . ومن كان في الضلال ، واستمر على عناده ، حتى قدم القيامة ، فجاءه العذاب العظيم فجعل يتقي بوجهه الذي هو أشرف الأعضاء ، وأدنى شيء من العذاب يؤثر فيه ؛ فهو يتقي فيه سوء العذاب لأنه قد غلّت يداه ورجلاه .
وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ
أنفسهم ، بالكفر والمعاصي ، توبيخا وتقريعا :
ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
. [ 25 ]
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
من الأمم كما كذّب هؤلاء .
فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ
جاءهم في غفلة ، أو نهار ، أو هم قائلون . [ 26 ]
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ
بذلك العذاب
الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
فافتضحوا عند اللّه ، وعند خلقه .
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
فليحذر هؤلاء من المقام على التكذيب ، فيصيبهم ما أصاب أولئك من التعذيب . [ 27 ] يخبر تعالى ، أنه ضرب في القرآن من جميع الأمثال ، أمثال أهل الخير ، وأمثال أهل الشر ، وأمثال التوحيد والشرك ، وكلّ مثل يقرّب حقائق الأشياء ، والحكمة في ذلك
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
عندما نوضح لهم الحقّ فيعلمون ، ويعملون . [ 28 ]
قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
أي : جعلناه قرآنا عربيا ، واضح الألفاظ ، سهل المعاني ، خصوصا على العرب .
غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
أي : ليس فيه خلل ولا نقص بوجه من الوجوه ، لا في ألفاظه ، ولا في معانيه ، وهذا يستلزم كمال اعتداله واستقامته كما قال تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) قَيِّماً
.
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
اللّه تعالى ، حيث سهلنا عليهم طرق التقوى ، العلمية والعملية ، بهذا القرآن العربي المستقيم ، الذي ضرب اللّه فيه من كلّ مثل . [ 29 ] ثمّ ضرب مثلا للشرك والتوحيد فقال :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا
أي : عبدا
فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ
فهم كثيرون ، وليسوا متفقين على أمر من الأمور ، وحالة من الحالات ، حتى تمكن راحته ، بل هم
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 870 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي