الذين يؤثرون الأعلى على الأدنى ، فيؤثرون العلم على الجهل ، وطاعة اللّه على مخالفته ؛ لأن لهم عقولا ، ترشدهم للنظر في العواقب . بخلاف من لا لبّ له ولا عقل ، فإنه يتخذ إلهه هواه .
[ 10 ] أي : قل مناديا لأشرف الخلق ، وهم المؤمنون ، آمرا لهم بأفضل الأوامر ، وهي : التقوى ، ذاكرا لهم السبب الموجب للتقوى ، وهو ربوبية اللّه لهم وإنعامه عليهم المقتضي ذلك منهم أن يتقوه ، ومن ذلك ما منّ اللّه عليهم به من الإيمان فإنه موجب للتقوى . كما تقول : أيها الكريم تصدّق ، وأيها الشجاع ، قاتل . وذكر لهم الثواب المنشط في الدنيا فقال :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا
بعبادة ربهم
حَسَنَةٌ
ولهم رزق واسع ، ونفس مطمئنة ، وقلب منشرح . كما قال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
.
وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ
إذا منعتم من عبادته في أرض ، فهاجروا إلى غيرها ، تعبدون فيها ربكم ، وتتمكنون من إقامة دينكم . ولما قال :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
كان لبعض النفوس مجال في هذا الموضع ، وهو أن النص عام ، أنه كل من أحسن ، فله في الدنيا حسنة ، فما بال من آمن في أرض يضطهد فيها ويمتهن ، لا يحصل له ذلك ؛ فدفع هذا الظن بقوله :
وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ
وهنا بشارة ، نص عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « لا تزال طائفة من أمتي على الحقّ ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك » . تشير إليه هذه الآية ، وترمي إليه من قريب ، وهو أنه تعالى ، أخبر أن أرضه واسعة . فمهما منعتم من عبادته في موضع ، فهاجروا إلى غيرها . وهذا عام في كلّ زمان ومكان ، فلا بد أن يكون لكل مهاجر ، ملجأ من المسلمين يلجأ إليه ، وموضع يتمكن من إقامة دينه فيه .
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
وهذا عام في جميع أنواع الصبر : الصبر على أقدار اللّه المؤلمة ، فلا يتسخطها . والصبر عن معاصيه ، فلا يرتكبها ، والصبر على طاعته ، حتى يؤديها . فوعد اللّه الصابرين أجرهم بغير حساب ، أي : بغير حد ، ولا عد ، ولا مقدار . وما ذاك إلا لفضيلة الصبر ومحله عند اللّه ، وأنه معين على كلّ الأمور .
[ 11 ] أي :
قُلْ
يا أيها الرسول للناس :
إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ
في قوله في أول السورة :
فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ
.
[ 12 ]
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
( 12 ) لأني الداعي الهادي للخلق ، إلى ربهم ، فيقتضي أني أوّل من ائتمر بما أمر به ، وأوّل من أسلم ، وهذا الأمر لا بد من إيقاعه من محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وممن زعم أنه من أتباعه . فلا بد من الإسلام في الأعمال الظاهرة ، والإخلاص للّه في الأعمال الظاهرة والباطنة .
[ 13 ]
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي
في ما أمرني به من الإخلاص والإسلام .
عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
يخلد فيه من أشرك ، ويعاقب فيه من عصى .
[ 14 - 15 ]
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ
كما قال تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
( 6 ) .
قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ
حقيقة هم
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
حيث حرموها الثواب ، واستحقت بسببهم وخيم العقاب
وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي : فرّق بينهم وبينهم ، واشتد عليهم الحزن ، وعظم الخسران .
أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ