تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 873

مساهمون:

ص٨٧٣
بنوره واتبع أوامره ( ف ) إن نفع ذلك ، يعود لنفسه
وَمَنْ ضَلَّ
بعد ما تبين له الهدى
فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
لا يضر اللّه شيئا .
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها ، وتجبرهم على ما تشاء . وإنّما أنت مبلغ ، تؤدي إليهم ما أمرت به . [ 42 ] يخبر تعالى ، أنه المنفرد بالتصرف بالعباد ، في حال يقظتهم ونومهم ، وفي حال حياتهم وموتهم . فقال :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
وهذه الوفاة الكبرى ، وفاة الموت . وإخباره أنه يتوفى الأنفس وإضافة الفعل إلى نفسه ، لا ينافي أنه قد وكّل بذلك ملك الموت وأعوانه ، كما قال تعالى :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ
لأنه تعالى يضيف الأشياء إلى نفسه ، باعتبار أنه الخالق المدبر . ويضيفها إلى أسبابها ، باعتبار أن من سنته تعالى وحكمته ، أن جعل لكل أمر من الأمور سببا . وقوله :
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
وهذه هي الموتة الصغرى ، أي : ويمسك النفس ، الّتي لم تمت في منامها .
فَيُمْسِكُ
من هاتين النفسين النفس
الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ
وهي نفس من كان مات ، أو قضى أن يموت في منامه .
وَيُرْسِلُ
النفس
الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
أي : إلى استكمال رزقها وأجلها .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
على كمال اقتداره ، وإحيائه الموتى بعد موتهم . وفي هذه الآية ، دليل على أن الروح والنفس ، جسم قائم بنفسه ، مخالف جوهره ، جوهر البدن . وأنها مخلوقة مدبرة ، يتصرف اللّه فيها ، بالوفاة ، والإمساك ، والإرسال . وأن أرواح الأحياء ، تتلاقى في البرزخ ، فتجتمع ، فتتحادث . فيرسل اللّه أرواح الأحياء ، ويمسك أرواح الأموات . [ 43 ] ينكر تعالى ، على من اتخذ من دونه شفعاء ، يتعلق بهم ، ويسألهم ويعبدهم .
قُلْ
لهم - مبينا جهلهم ، وأنها لا تستحق شيئا من العبادة :
أَ وَلَوْ كانُوا
أي : من اتخذتم من الشفعاء
لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً
أي : لا مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر . بل
وَلا يَعْقِلُونَ
أي : وليس لهم عقل ، يستحقون أن يمدحوا به ، لأنها جمادات ، من أحجار ، وأشجار ، وصور ، وأموات . فهل يقال : إن لمن اتخذها عقلا ؟ أم هو من أضل الناس وأجهلهم ، وأعظمهم ظلما ؟ [ 44 ]
قُلْ
لهم :
لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً
لأن الأمر كله للّه . وكلّ شفيع ، فهو يخافه ، ولا يقدر أن يشفع عنده أحد إلا بإذنه . فإذا أراد رحمة عبده ، أذن للشفيع الكريم عنده ، أن يشفع ، رحمة بالاثنين . ثمّ قرر أن الشفاعة كلها له بقوله :
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : جميع ما فيها من الذوات ، والأفعال ، والصفات . فالواجب أن تطلب الشفاعة ممن يملكها ، وتخلص له العبادة .
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فيجازي المخلص له بالثواب الجزيل ، ومن أشرك به ، بالعذاب الوبيل . [ 45 ] يذكر تعالى حالة المشركين ، وما اقتضاه شركهم
وَ
أنهم
إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ
توحيدا له ، وعملا بإخلاص الدين له ، وترك ما يعبدون من دونه ، يشمئزون ، وينفرون ، ويكرهون ذلك أشد الكراهة .
وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
من الأصنام والأنداد ، ودعا الداعي إلى عبادتها ومدحها
إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
بذلك ، فرحا بذكر معبوداتهم ، ولكون الشرك موافقا لأهوائهم ، وهذه الحال شر الحالات وأشنعها ، ولكن موعدهم يوم الجزاء . فهناك يؤخذ الحقّ منهم ، وينظر : هل تنفعهم آلهتهم ، الّتي كانوا يدعون من دون اللّه شيئا ؟ [ 46 ] ولهذا قال :
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : خالقهما ومدبرهما .
عالِمَ الْغَيْبِ
الذي غاب عن أبصارنا وعلمنا
وَالشَّهادَةِ
الذي نشاهده .
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
وإن من أعظم الاختلاف ، اختلاف الموحدين المخلصين ، القائلين : إن ما هم عليه هو الحقّ ، وإن لهم الحسنى في الآخرة دون غيرهم ، والمشركين الّذين اتخذوا من دونك الأنداد والأوثان ، وسووا بك من لا يسوى شيئا ، وتنقصوك غاية التنقص ، واستبشروا عند ذكر آلهتهم ، واشمأزوا عند ذكرك ، وزعموا مع هذا ، أنهم على الحقّ ، وغيرهم على الباطل ، وأن لهم الحسنى . قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 873 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي