تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 871

مساهمون:

ص٨٧١
متشاكسون متنازعون فيه ، كلّ له مطلب ، يريد تنفيذه ، ويريد الآخر غيره . فما تظن حال هذا الرجل ، مع هؤلاء الشركاء المتشاكسين ؟
وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ
أي : خالصا له ، قد عرف مقصود سيده ، وحصلت له الراحة التامة .
هَلْ يَسْتَوِيانِ
أي : هذان الرجلان
مَثَلًا
؟ لا يستويان . كذلك المشرك ، فيه شركاء متشاكسون ، يدعو هذا ، ثمّ يدعو هذا . فتراه لا يستقر له قرار ، ولا يطمئن قلبه في موضع . والموحّد مخلص لربه ، قد خلصه اللّه من الشركة لغيره ، فهو في أتم راحة ، وأكمل طمأنينة .
هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ
على تبيين الحقّ من الباطل ، وإرشاد الجهال .
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
« ما يصيرون إليه من العذاب من جراء شركهم » . [ 30 ]
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
( 30 ) أي : كلكم لا بد أن يموت
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ
( 34 ) . [ 31 ]
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
( 31 ) فيما تنازعتم فيه ، فيفصل بينكم بحكمه العادل ، ويجازى كلّا ما عمله
أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ
. [ 32 ] يقول تعالى ، محذرا ، ومخبرا : أنه لا أظلم وأشد ظلما
مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ
إما بنسبته إلى ما لا يليق بجلاله ، أو بادعاء النبوة ، أو الإخبار بأن اللّه تعالى قال كذا ، أخبر بكذا ، وهو كاذب . فهذا داخل في قوله تعالى :
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ *
إن كان جاهلا ، وإلا هو أشنع وأشنع .
وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ
أي : ما أظلم ممن جاءه الحقّ المؤيد بالبينات ، فكذبه . فتكذيبه ، ظلم عظيم منه ؛ لأنه رد الحقّ بعدم تبين له . فإن كان جامعا بين الكذب على اللّه ، والتكذيب بالصدق ، كان ظلما على ظلم .
أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ
يحصل بها الاشتفاء منهم ، وأخذ حق اللّه من كلّ ظالم وكافر :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
. [ 33 ] ولما ذكر الكاذب المكذب ، وجنايته وعقوبته ، ذكر الصادق المصدق ، وثوابه . فقال :
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ
في قوله وعمله ، فدخل في ذلك ، الأنبياء ومن قام مقامهم ، ممن صدق فيما قاله عن خبر اللّه وأحكامه ، وفيما فعله من خصال الصدق .
وَصَدَّقَ بِهِ
أي : بالصدق لأنه قد يجيء الإنسان بالصدق ، ولكن لا يصدق به ، بسبب استكباره ، أو احتقاره لمن قاله وأتى به ، فلا بد في المدح من الصدق والتصديق . فصدقه يدل على علمه وعدله ، وتصديقه يدل على تواضعه ، وعدم استكباره .
أُولئِكَ
أي : الّذين وفقوا للجمع بين الأمرين
هُمُ الْمُتَّقُونَ
، فإن جميع خصال التقوى ، ترجع إلى الصدق بالحق ، والتصديق به . [ 34 ]
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ
من الثواب ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . فكل ما تعلقت به إرادتهم ومشيئتهم ، من أصناف اللذات والمشتهيات ، فإنه حاصل لهم ، معد مهيأ .
ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ
الّذين يعبدون اللّه ، كأنهم يرونه ، فإن لم يكونوا يرونه ، فإنه يراهم
الْمُحْسِنِينَ
إلى عباد اللّه . [ 35 ]
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ
( 35 ) . وعمل الإنسان ، له ثلاث حالات : إما أسوأ ، أو أحسن ، أو لا أسوأ ولا أحسن . والقسم الأخير ، قسم المباحات ، وما لا يتعلق به ثواب ولا عقاب . والأسوأ ، المعاصي كلها ، والأحسن ، الطاعات كلها . فبهذا التفصيل ، يتبين معنى