تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 868

مساهمون:

ص٨٦٨
الذي ليس مثله خسران ، وهو خسران مستمر ، لا ربح بعده ، بل ولا سلامة . [ 16 ] ثمّ ذكر شدة ما يحصل لهم من الشقاء فقال :
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ
أي : قطع عذاب كالسحاب العظيم
وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ
الوصف الذي وصفنا به عذاب أهل النار ، سوط يسوق اللّه به عباده إلى رحمته .
يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ
أي : جعل ما أعده لأهل الشقاء من العذاب ، داعيا يدعو عباده إلى التقوى ، وزجرا عمّا يوجب العذاب . فسبحان من رحم عباده في كلّ شيء ، وسهل لهم الطرق الموصلة للّه ، وحثهم على سلوكها ، ورغّبهم بكل مرغب تشتاق له النفوس ، وتطمئن له القلوب . وحذّرهم من العمل لغير ذلك غاية التحذير ، وذكر لهم الأسباب الزاجرة عن تركه . [ 17 ] ذكر تعالى هنا حال المنيبين وثوابهم فقال :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها
والمراد بالطاغوت في هذا الموضع ، عبادة غير اللّه ، فاجتنبوها في عبادتها . وهذا من أحسن الاحتراز من الحكيم العليم ؛ لأن المدح إنّما يتناول المجتنب لها في عبادتها .
وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ
بعبادته وإخلاص الدين له ، فانصرفت دواعيهم عن عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلّام ، ومن الشرك والمعاصي ، إلى التوحيد والطاعات .
لَهُمُ الْبُشْرى
الّتي لا يقادر قدرها ، ولا يعلم وصفها ، إلا من أكرمهم بها . وهذا شامل للبشرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن ، والرؤيا الصالحة ، والعناية الربانية من اللّه ، الّتي يرون في خلالها ، أنه مريد لإكرامهم في الدنيا والآخرة . ولهم البشرى في الآخرة عند الموت ، وفي القبر ، وفي القيامة . وخاتمة البشرى ما يبشرهم به الرب الكريم ، من دوام رضوانه ، وبره ، وإحسانه ، وحلول أمانه في الجنة . [ 18 ] ولما أخبر أن لهم البشرى ، أمره اللّه ببشارتهم ، وذكر الوصف الذي استحقوا به البشارة فقال :
فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
. وهذا جنس يشمل كلّ قول ، فهم يستمعون جنس القول ، ليميزوا بين ما ينبغي إيثاره ، مما ينبغي اجتنابه ، فلهذا كان من حزمهم وعقلهم ، أنهم يتبعون أحسنه . وأحسنه على الإطلاق ، كلام اللّه ، وكلام رسوله كما قال في هذه السورة :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً
الآية . في هذه الآية نكتة ، وهي : أنه لما أخبر عن هؤلاء الممدوحين ، أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، كأنه قيل : هل من طريق إلى معرفة أحسنه ، حتى نتصف بصفات أولي الألباب ، وحتى نعرف أن من آثره فهو من أولي الألباب ؟ قيل : نعم ، أحسنه ما نص اللّه عليه بقوله :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً
الآية .
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ
لأحسن الأخلاق والأعمال
وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
أي : العقول الزاكية . ومن لبهم وحزمهم ، أنهم عرفوا الحسن وغيره ، وآثروا ما ينبغي إيثاره ، على ما سواه . وهذا علامة العقل ، بل لا علامة للعقل سوى ذلك ، فإن الذي لا يميز بين الأقوال ، حسنها ، وقبيحها ، ليس من أهل العقول الصحيحة ، أو الذي يميز ، لكن لما غلبت شهوته على عقله ، فبقي عقله تابعا لشهوته ، فلم يؤثر الأحسن ، كان ناقص العقل . [ 19 ] أي : أفمن وجبت عليه كلمة العذاب باستمراره على غيه ، وعناده ، وكفره ، فإنه لا حيلة لك في هدايته ، ولا تقدر أن تنقذ من في النار لا محالة . لكن الغنى ، والفوز كلّ الفوز ، للمتقين الّذين أعد لهم من الكرامة وأنواع النعيم ، ما لا يقادر قدره . [ 20 ]
لَهُمْ غُرَفٌ
أي : منازل عالية مزخرفة ، من حسنها ، وبهائها ، وصفائها ، أنه يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها . ومن علوها وارتفاعها ، أنها ترى كما يرى الكوكب الغابر ، في الأفق الشرقي أو الغربي . ولهذا قال :
مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ
أي : بعضها فوق بعض
مَبْنِيَّةٌ
بذهب وفضة ، وملاطها المسك الأذفر .
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
المتدفقة ، الّتي تسقي البساتين الزاهرة ، والأشجار الطاهرة . فتغل أنواع الثمار اللذيذة ، والفاكهة النضيجة .
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ
وقد وعد المتقين هذا الثواب ، فلا بد من الوفاء به ، فليوفوا بخصال التقوى ، ليوفيهم أجورهم .