تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
وأبطلها شبهة شبهة ، كما تقدم توضيحها ، ومنها : أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب ، ومنها قوله :
وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
، فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف ، ولكن مع هذا قال :
وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
. ومنها : أنه أخبر - وهو العالم بالخفيات - أن أهل الكتاب متقرر عندهم ، صحة هذا الأمر ، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم . ولما كان توليته لنا إلى استقبال القبلة نعمة عظيمة ، وكان لطفه بهذه الأمة ورحمته ، لم يزل يتزايد ، وكلما شرع لهم شريعة ، فهي نعمة عظيمة ، قال :
وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ
. فأصل النعمة ، الهداية لدينه ، بإرسال رسوله ، وإنزال كتابه ، ثم بعد ذلك ، النعم المتممات لهذا الأصل ، لا تعد كثرة ، ولا تحصر ، منذ بعث اللّه رسوله إلى أن قرب رحيله من الدنيا ، وقد أعطاه اللّه من الأحوال والنعم ، وأعطى أمته ، ما أتم به نعمته عليه وعليهم ، وأنزل اللّه عليه :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
. فلله الحمد على فضله ، الذي لا نبلغ له عدا ، فضلا عن القيام بشكره ،
وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
، أي : تعلمون الحق ، وتعملون به ، فاللّه تبارك وتعالى - من رحمته - بالعباد ، قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير ، ونبههم على سلوك طرقها ، وبينها لهم أتم تبيين . حتى أن في جملة ذلك ، أنه يقيض للحق ، المعاندين له فيجادلون فيه ، فيتضح بذلك الحق ، وتظهر آياته وأعلامه ، ويتضح بطلان الباطل ، وأنه لا حقيقة له ، ولولا قيامه في مقابلة الحق ، لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق ، وبضدها تتبين الأشياء ، فلو لا الليل ، ما عرف فضل النهار ، ولولا القبيح ، ما عرف فضل الحسن ، ولولا الظلمة ما عرف منفعة النور ، ولولا الباطل ، ما اتضح الحق اتضاحا ظاهرا ، فلله الحمد على ذلك . [ 151 ]
كَما أَرْسَلْنا
، يقول تعالى : إن إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة وإتمامها بالشرائع ، والنعم المتممة ، ليس ذلك ببدع من إحساننا ، ولا بأوله ، بل أنعمنا عليكم بأصول النعم ومتمماتها ، فأبلغها إرسالنا إليكم هذا الرسول الكريم منكم ، تعرفون نسبه وصدقه ، وأمانته وكماله ونصحه .
يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا
، وهذا يعم الآيات القرآنية وغيرها ، فهو يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل ، والهدى من الضلال ، التي دلتكم أولا ، على توحيد اللّه وكماله ، ثم على صدق رسوله ، ووجوب الإيمان به ، ثم على جميع ما أخبر به من المعاد والغيوب ، حتى حصل لكم الهداية التامة ، والعلم اليقيني .
وَيُزَكِّيكُمْ
، أي : يطهر أخلافكم ونفوسكم ، بتربيتها على الأخلاق الجميلة ، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة ، وذلك كتزكيتهم من الشرك إلى التوحيد ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن الخيانة إلى الأمانة ، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق ، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع إلى التحابب والتواصل والتوادد ، وغير ذلك من أنواع التزكية .
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ
، أي : القرآن ، ألفاظه ومعانيه ،
وَالْحِكْمَةَ
، قيل : هي السنة ، وقيل : الحكمة ، معرفة أسرار الشريعة والفقه فيها ، وتنزيل الأمور منازلها . فيكون - على هذا - تعليم السنة داخلا في تعليم الكتاب ، لأن السنة ، تبين القرآن وتفسره ، وتعبر عنه .
وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
، لأنهم كانوا قبل بعثته في ضلال مبين ، لا علم ولا عمل ، فكل علم أو عمل ، نالته هذه الأمة فعلى يده صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبسببه كان ، فهذه النعم هي أصول النعم على الإطلاق ، وهي أكبر نعم ينعم بها على عباده ، فوظيفتهم شكر اللّه عليها والقيام بها . [ 152 ] فلهذا قال تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
، فأمر تعالى بذكره ، ووعده عليه أفضل جزاء ، وهو ذكره لمن ذكره ، كما قال تعالى على لسان رسوله : « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم » . وذكر اللّه تعالى أفضله ، ما تواطأ عليه القلب واللسان ، وهو الذي يثمر معرفة اللّه ومحبته ، وكثرة ثوابه ، والذكر هو رأس الشكر ، فلهذا أمر به خصوصا ، ثم من بعده أمر بالشكر عموما ، فقال :
وَاشْكُرُوا لِي
، أي : على ما أنعمت عليكم بهذه النعم ، ودفعت عنكم صنوف النقم ، والشكر يكون بالقلب ، إقرارا بالنعم واعترافا ، وباللسان ذكرا وثناء ، وبالجوارح طاعة للّه وانقيادا لأمره ، واجتنابا لنهيه . فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة ، وزيادة