تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
الخلق درجة . والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل ، من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة ، وجهاد ، ونفع متعد وقاصر . ولما كان أقوى ما يحث النفوس على المسارعة إلى الخير وينشطها ، ما رتب اللّه عليها من الثواب ، قال :
أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فيجمعكم ليوم القيامة بقدرته ، فيجازي كل عامل بعمله
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
. ويستدل بهذه الآية الشريفة على الإتيان بكل فضيلة يتصف بها العمل ، كالصلاة في أول وقتها ، والمبادرة إلى إبراء الذمة من الصيام ، والحج ، والعمرة ، وإخراج الزكاة ، والإتيان بسنن العبادات وآدابها ، فلله ما أجمعها وأنفعها من آية ! ! [ 149 ] أي :
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ
في أسفارك وغيرها ، وهذا للعموم ،
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
، أي : جهته . ثم خاطب الأمة عموما ، فقال :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
. وقال :
وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
أكده ب « إن » واللام ، لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة ، ولئلا يظن أنه على سبيل التشهي لا الامتثال .
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
، بل هو مطلع عليكم في جميع أحوالكم ، فتأدبوا معه ، وراقبوه بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فإن أعمالكم غير مغفول عنها ، بل مجازون عليها أتم الجزاء ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . [ 150 ] وقال هنا :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
، أي : شرعنا لكم استقبال الكعبة المشرفة ، لينقطع عنكم احتجاج الناس من أهل الكتاب والمشركين ، فإنه لو بقي مستقبلا لبيت المقدس ، لتوجهت عليه الحجة ، فإن أهل الكتاب يجدون في كتابهم أن قبلته المستقرة هي الكعبة ، البيت الحرام . والمشركون يرون أن من مفاخرهم هذا البيت العظيم ، وأنه من ملة إبراهيم ، وأنه إذا لم يستقبله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، توجهت نحوه حججهم ، وقالوا : كيف يدعي أنه على ملة إبراهيم ، وهو من ذريته ، وقد ترك استقبال قبلته ؟ فباستقبال القبلة قامت الحجة على أهل الكتاب والمشركين ، وانقطعت حججهم عليه .
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
، أي : من احتج منهم بحجة ، هو ظالم فيها ، وليس لها مستند إلا اتباع الهوى والظلم ، فهذا لا سبيل إلى إقناعه والاحتجاج عليه ، وكذلك لا معنى لجعل الشبهة التي يوردونها على سبيل الاحتجاج ، محلّا يؤبه لها ، ولا يلقى لها بال ، فلهذا قال تعالى :
فَلا تَخْشَوْهُمْ
لأن حجتهم باطلة ، والباطل كاسمه ، مخذول ، مخذول صاحبه ، وهذا بخلاف صاحب الحق ، فإن للحق صولة وعزا ، يوجب خشية من هو معه ، وأمر تعالى بخشيته التي هي رأس كل خير ، فمن لم يخش اللّه ، لم ينكف عن معصيته ، ولم يمتثل أمره . وكان صرف المسلمين إلى الكعبة ، مما حصلت فيه فتنة كبيرة ، أشاعها أهل الكتاب ، والمنافقون ، والمشركون ، وأكثروا فيها من الكلام والشبه ، فلهذا بسطها اللّه تعالى ، وبينها أكمل بيان ، وأكدها بأنواع من التأكيدات ، التي تضمنتها هذه الآيات : منها : الأمر بها ، ثلاث مرات مع كفاية المرة الواحدة ، ومنها : أن المعهود ، أن الأمر ، إما أن يكون للرسول ، فتدخل فيه الأمة ، أو للأمة عموما ، وهذه الآية أمر فيها الرسول بالخصوص في قوله :
فَوَلِّ وَجْهَكَ
، والأمة عموما في قوله :
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
. ومنها : أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة ، التي أوردها أهل العناد ،