تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
شأن القبلة . وإنما كان الأمر كذلك ، لأنهم معاندون ، عرفوا الحق وتركوه ، فالآيات إنما ينتفع بها من يتطلب الحق ، وهو مشتبه عليه ، فتوضح له الآيات البينات ، وأما من جزم بعدم اتباع الحق ، فلا حيلة فيه . وأيضا فإن اختلافهم فيما بينهم حاصل ، وبعضهم غير تابع قبلة بعض ، فليس بغريب منهم - مع ذلك - أن لا يتبعوا قبلتك يا محمد ، وهم الأعداء الحسدة حقيقة ، وقوله :
ما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
، أبلغ من قوله :
وَلا تَتَّبِعْ *
؛ لأن ذلك يتضمن أنه صلّى اللّه عليه وسلم اتصف بمخالفتهم ، فلا يمكن وقوع ذلك منه ، ولم يقل : « ولو أتوا بكل آية » لأنهم لا دليل لهم على قولهم . وكذلك إذا تبين الحق بأدلته اليقينية ، لم يلزم الإتيان بأجوبة الشبه الواردة عليه ، لأنها لا حدّ لها ، ولأنه يعلم بطلانها ، للعلم بأن كل ما نافى الحق الواضح فهو باطل ، فيكون حل الشبه من باب التبرع .
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ
، إنما قال : « أهواءهم » ولم يقل « دينهم » لأن ما هم عليه مجرد أهواء نفس ، حتى هم - في قلوبهم - يعلمون أنه ليس بدين ، ومن ترك الدين اتبع الهوى لا محالة ، قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
.
مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
بأنك على الحق ، وهم على الباطل ،
إِنَّكَ إِذاً
، أي : إن اتبعتهم ، فهذا احتراز ، لئلا تنفصل هذه الجملة عما قبلها ، ولو في الأفهام ،
لَمِنَ الظَّالِمِينَ
، أي : داخل فيهم ، ومندرج في جملتهم ، وأي ظلم أعظم من ظلم من علم الحق والباطل ، فآثر الباطل على الحق ، وهذا ، وإن كان الخطاب له صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن أمته داخلة في ذلك . وأيضا ، فإذا كان هو صلّى اللّه عليه وسلّم لو فعل ذلك - وحاشاه - صار ظالما مع علو مرتبته ، وكثرة إحسانه ، فغيره من باب أولى وأحرى . [ 146 - 147 ]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
( 147 ) . يخبر تعالى أن أهل الكتاب قد تقرر عندهم ، وعرفوا أن محمدا رسول اللّه ، وأن ما جاء به حق وصدق ، وتيقنوا ذلك ، كما تيقنوا أبناءهم بحيث لا يشتبهون بغيره ، فمعرفتهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وصلت إلى حد لا يشكون فيه ولا يمترون . ولكن فريقا منهم - وهم أكثرهم - الذين كفروا به ، كتموا هذه الشهادة مع تيقنها ، وهم يعلمون
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ
، وفي ضمن ذلك ، تسلية للرسول والمؤمنين ، وتحذير له من شرهم وشبههم ، وفريق منهم لم يكتموا الحق وهم يعلمون ، فمنهم من آمن به ، ومنهم من كفر به ، جهلا . فالعالم ، عليه إظهار الحق ، وتبيينه وتزيينه ، بكل ما يقدر عليه من عبارة وبرهان ومثال ، وغير ذلك ، وإبطال الباطل وتمييزه عن الحق ، وتشيينه ، وتقبيحه للنفوس ، بكل طريق مؤد لذلك ، فهؤلاء الكاتمون عكسوا الأمر ، فانعكست أحوالهم . [ 147 ]
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
، أي : هذا الحق الذي هو أحق أن يسمى حقا من كل شيء لما اشتمل عليه من المطالب العالية والأوامر الحسنة ، وتزكية النفوس وحثها على تحصيل مصالحها ، ودفع مفاسدها ، لصدوره من ربك ، الذي من جملة تربيته لك ، أن أنزل عليك هذا القرآن الذي فيه تربية العقول والنفوس ، وجميع المصالح .
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
، أي : فلا يحصل لك أدنى شك وريبة فيه ، بل تفكّر فيه ، وتأمّل ، حتى تصل بذلك إلى اليقين ، لأن التفكر فيه لا محالة دافع للشك ، موصل لليقين . [ 148 ]
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ
، أي : كل أهل دين وملة ، له وجهة يتوجه إليها في عبادته ، وليس الشأن في استقبال القبلة ، فإنه من الشرائع التي تتغير بها الأزمنة والأحوال ، ويدخلها النسخ والنقل من جهة إلى جهة ، ولكن الشأن كل الشأن ، في امتثال طاعة اللّه ، والتقرب إليه ، وطلب الزلفى عنده ، فهذا هو عنوان السعادة ومنشور الولاية ، وهو الذي إذا لم تتصف به النفوس ، حصلت لها خسارة الدنيا والآخرة ، كما أنها إذا اتصفت به ، فهي الرابحة على الحقيقة ، وهذا أمر متفق عليه في جميع الشرائع ، وهو الذي خلق اللّه له الخلق ، وأمرهم به . والأمر بالاستباق إلى الخيرات ، قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات ، فإن الاستباق إليها يتضمن فعلها وتكميلها ، وإيقاعها على أكمل الأحوال ، والمبادرة إليها ، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات ، فهو السابق في الآخرة إلى الجنات ، فالسابقون أعلى
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 76 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي