تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
اللَّهُ
فعرفوا بذلك نعمة اللّه عليهم ، وشكروا وأقرّوا له بالإحسان حيث وجههم إلى هذا البيت العظيم ، الذي فضله على سائر بقاع الأرض ، وجعل قصده ركنا من أركان الإسلام ، وهادما للذنوب والآثام ، فلهذا خف عليهم ذلك ، وشق على من سواهم . ثم قال تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
، أي : ما ينبغي له ولا يليق به تعالى ، بل هو من الممتنعات عليه ، فأخبر أنه ممتنع عليه ومستحيل أن يضيع إيمانكم ، وفي هذا بشارة عظيمة لمن منّ اللّه عليهم بالإسلام والإيمان ، بأن اللّه سيحفظ عليهم إيمانهم ، فلا يضيعه ، وحفظه نوعان : حفظ عن الضياع والبطلان بعصمته لهم عن كل مفسد ومزيد له ، ومنقص من المحن المقلقة ، والأهواء الصادّة ، وحفظ بتنميته لهم ، وتوفيقهم لما يزداد به إيمانهم ، ويتم به إيقانهم ، فكما ابتدأكم ، بأن هداكم للإيمان ، فسيحفظه لكم ، ويتم نعمته بتنميته وتنمية أجره وثوابه ، وحفظه من كل مكدر . بل إذا وجدت المحن المقصود منها ، تبين المؤمن الصادق من الكاذب ، فإنها تمحص المؤمنين وتظهر صدقهم . وكأنّ في هذا احترازا عما قد يقال إن قوله :
وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
، قد يكون سببا لترك بعض المؤمنين إيمانهم ، فدفع هذا الوهم بقوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
بتقديره لهذه المحنة أو غيرها . ودخل في ذلك من مات من المؤمنين قبل تحويل الكعبة ، فإن اللّه لا يضيع إيمانهم ، لكونهم امتثلوا أمر اللّه وطاعة رسوله في وقتها ، وطاعة اللّه ، امتثال أمره في كل وقت ، بحسب ذلك ، وفي هذه الآية ، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان تدخل فيه أعمال الجوارح . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
، أي : شديد الرحمة بهم عظيمها ، فمن رأفته ورحمته بهم أن يتم عليهم نعمته التي ابتدأهم بها ، وأن ميّز عنهم من دخل في الإيمان بلسانه دون قلبه ، وأن امتحنهم امتحانا ، زاد به إيمانهم ، وارتفعت به درجتهم ، وأن وجّههم إلى أشرف البيوت ، وأجلّها . [ 144 ] يقول اللّه لنبيه :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
، أي : كثرة تردده في جميع جهاته ، شوقا وانتظارا لنزول الوحي باستقبال السماء ، وقال :
وَجْهِكَ
، ولم يقل : « بصرك » لزيادة اهتمامه ، ولأن تقليب الوجه مستلزم لتقليب البصر .
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
، أي : نوجهك لولايتنا إياك ،
قِبْلَةً تَرْضاها
، أي : تحبها وهي الكعبة ، وفي هذا بيان لفضله وشرفه صلّى اللّه عليه وسلم ، حيث إن اللّه تعالى يسارع في رضاه ، ثم صرح له باستقبالها فقال :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
، والوجه : ما أقبل من بدن الإنسان ،
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ
، أي : من بر وبحر ، وشرق وغرب ، جنوب وشمال ،
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
، أي : جهته . ففيها اشتراط استقبال الكعبة ، للصلوات كلها ، فرضها ونفلها ، وأنه إن أمكن استقبال عينها ، وإلا فيكفي شطرها وجهتها ، وأن الالتفات بالبدن مبطل للصلاة ، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده . ولما ذكر تعالى فيما تقدم المعترضين على ذلك من أهل الكتاب وغيرهم ، وذكر جوابهم ، ذكر هنا أن أهل الكتاب والعلماء منهم يعلمون أنك في ذلك على حق واضح ، لما يجدونه في كتبهم ، فيعترضون عنادا وبغيا ، فإذا كانوا يغمون بخطئهم فلا تبالوا بذلك ، فإن الإنسان إنما يغمه اعتراض من اعترض عليه ، إذا كان الأمر مشتبها ، وكان ممكنا أن يكون معه صواب . فأما إذا تيقن أن الصواب والحق مع المعترض عليه ، وأن المعترض معاند ، عارف ببطلان قوله ، فإنه لا محل للمبالاة ، بل ينتظر بالمعترض العقوبة الدنيوية والأخروية ، فلهذا قال تعالى :
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
، بل يحفظ عليهم أعمالهم ، ويجازيهم عليها ، وفيها وعيد للمعترضين ، وتسلية للمؤمنين . كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم - من كمال حرصه على هداية الخلق - يبذل غاية ما يقدر عليه من النصيحة ، ويتلطف بهدايتهم ، ويحزن إذا لم ينقادوا لأمر اللّه ، فكان من الكفار من تمرد عن أمر اللّه ، واستكبر على رسل اللّه ، وترك الهدى ، عمدا وعدوانا ، فمنهم ، اليهود والنصارى ، أهل الكتاب الأول ، الذين كفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم عن يقين ، لا عن جهل . [ 145 ] فلهذا أخبر اللّه تعالى أنك :
لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ
، أي : بكل برهان ودليل ، يوضح قولك ، ويبين ما تدعو إليه ،
ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
، أي : ما تبعوك ، لأن اتباع القبلة دليل على اتباعه ، ولأن السبب هو