تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
[ 154 ]
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ
، لما ذكر تبارك وتعالى ، الأمر بالاستعانة بالصبر على جميع الأحوال ، ذكر نموذجا مما يستعان بالصبر عليه ، وهو الجهاد في سبيله ، وهو أفضل الطاعات البدنية وأشقها على النفوس ، لمشقته في نفسه ، ولكونه مؤديا للقتل وعدم الحياة ، التي إنما يرغب الراغبون في هذه الدنيا لحصول الحياة ولوازمها ، فكل ما يتصرفون به فإنه سعي لها ، ودفع لما يضادها . ومن المعلوم ، أن المحبوب لا يتركه العاقل إلا لمحبوب أعلى منه وأعظم ، فأخبر تعالى : أن من قتل في سبيله ، بأن قاتل في سبيل اللّه ، لتكون كلمة اللّه هي العليا ، ودينه الظاهر ، لا لغير ذلك من الأغراض ، فإنه لم تفته الحياة المحبوبة ، بل حصل له حياة أعظم وأكمل ، مما تظنون وتحسبون . فالشهداء :
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 170 ) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
( 171 ) . فهل أعظم من هذه الحياة المتضمنة للقرب من اللّه تعالى ، وتمتعهم برزقه البدني في المأكولات والمشروبات اللذيذة ، والرزق الروحي ، وهو الفرح ، وهو الاستبشار ، وزوال كل خوف وحزن ، وهذه حياة برزخية ، أكمل من الحياة الدنيا . بل قد أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش ، وفي هذه الآية أعظم حث على الجهاد في سبيل اللّه ، وملازمة الصبر عليه . فلو شعر العباد بما للمقتولين في سبيل اللّه من الثواب ، لم يتخلف عنه أحد ، ولكن عدم العلم اليقيني التام ، هو الذي فتر العزائم ، وزاد نوم النائم ، وأفات الأجور العظيمة والغنائم . لم لا يكون كذلك واللّه تعالى قد :
اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ
. فو اللّه لو كان للإنسان ألف نفس ، تذهب نفسا فنفسا في سبيل اللّه ، لم يكن عظيما في جانب هذا الأجر العظيم ، ولهذا لا يتمنى الشهداء - بعد ما عاينوا من ثواب اللّه وحسن جزائه - إلا أن يردوا إلى الدنيا ، حتى يقتلوا في سبيله مرة بعد مرة . وفي الآية ، دليل على نعيم البرزخ وعذابه ، كما تكاثرت بذلك النصوص . [ 155 ]
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
، أخبر تعالى ، أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن ، ليتبين الصادق من الكاذب ، والجازع من الصابر ، وهذه سنته تعالى في عباده ؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان ، ولم يحصل معها محنة ، لحصل الاختلاط الذي هو فساد ، وحكمة اللّه تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر . هذه فائدة المحن ، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان ، ولا ردهم عن دينهم ، فما كان اللّه ليضيع إيمان المؤمنين ، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده
بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ
من الأعداء
وَالْجُوعِ
، أي : بشيء يسير منهما ؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله ، أو الجوع ، لهلكوا ، والمحن تمحص لا تهلك .
وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ
وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال ، من جوائح سماوية ، وغرق ، وضياع ، وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة ، وقطاع الطرق ، وغير ذلك .
وَالْأَنْفُسِ
، أي : ذهاب الأحباب ، من الأولاد ، والأقارب ، والأصحاب ، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد ، أو بدن من يحبه ،
وَالثَّمَراتِ
، أي : الحبوب ، وثمار النخيل ، والأشجار كلها ، والخضر ببرد ، أو برد ، أو حرق ، أو آفة سماوية ، من جراد ونحوه . فهذه الأمور لا بد أن تقع ، لأن العليم الخبير ، أخبر بها ، فوقعت كما أخبر ، فإذا وقعت ، انقسم الناس قسمين : جازعين وصابرين ، فالجازع حصلت له المصيبتان ، فوات المحبوب ، وهو وجود هذه المصيبة ، وفوات ما هو أعظم منها ، وهو الأجر بامتثال أمر اللّه بالصبر ، ففاز بالخسارة والحرمان ، ونقص ما معه من الإيمان ، وفاته الصبر والرضا والشكران ، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان . وأما من وفقه اللّه للصبر عند وجود هذه المصائب ، فحبس نفسه عن التسخط ، قولا وفعلا ، واحتسب أجرها عند اللّه ، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره ، أعظم من المصيبة التي حصلت له ، بل المصيبة تكون نعمة في حقه ، لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها ، فقد امتثل أمر اللّه ، وفاز بالثواب ، فلهذا قال تعالى :
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
، أي : بشّرهم بأنهم يوفون