في النعم المفقودة ، قال تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
.
وفي الإتيان بالأمر بالشكر ، بعد النعم الدينية ، من العلم وتزكية الأخلاق والتوفيق للأعمال ، بيان أنها أكبر النعم ، بل هي النعم الحقيقية ، التي تدوم ، إذا زال غيرها ، وأنه ينبغي لمن وفقوا لعلم أو عمل ، أن يشكروا اللّه على ذلك ، ليزيدهم من فضله ، وليندفع عنهم الإعجاب ، فيشتغلوا بالشكر . ولما كان الشكر ضده الكفر ، نهى عن ضده ، فقال :
وَلا تَكْفُرُونِ
، المراد بالكفر هاهنا ما يقابل الشكر ، فهو كفر النعم وجحدها ، وعدم القيام بها . ويحتمل أن يكون المعنى عاما ، فيكون الكفر أنواعا كثيرة ، أعظمه الكفر باللّه ، ثم أنواع المعاصي ، على اختلاف أنواعها وأجناسها ، من الشرك فما دونه .
[ 153 ] أمر اللّه تعالى المؤمنين بالاستعانة على أمورهم الدنيوية
بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
، فالصبر هو : حبس النفس وكفها عما تكره ، فهو ثلاثة أقسام : صبرها على طاعة اللّه ، حتى تؤديها ، وعن معصية اللّه حتى تتركها ، وعلى أقدار اللّه المؤلمة فلا تتسخطها . فالصبر هو المعونة العظيمة على كل أمر ، فلا سبيل لغير الصابر ، أن يدرك مطلوبه وخصوصا الطاعات الشاقة المستمرة ، فإنها مفتقرة أشد الافتقار إلى تحمل الصبر ، وتجرع المرارة الشاقة . فإذا لازم صاحبها الصبر ، فاز بالنجاح ، وإن رده المكروه والمشقة عن الصبر والملازمة عليها ، لم يدرك شيئا ، وحصل على الحرمان ، وكذلك المعصية التي تشتد دواعي النفس ونوازعها إليها وهي في محل قدرة العبد ، فهذه لا يمكن تركها إلا بصبر عظيم ، وكف لدواعي قلبه ونوازعها ، للّه تعالى ، واستعانة باللّه على العصمة منها ، فإنها من الفتن الكبار . وكذلك البلاء الشاق ، خصوصا إن استمر ، فهذا تضعف معه القوى النفسانية والجسدية ، ويوجد مقتضاها ، وهو التسخط ، إن لم يقاومها صاحبها بالصبر للّه ، والتوكل عليه ، واللجأ إليه ، والافتقار على الدوام . فعلمت أن الصبر محتاج إليه العبد ، بل مضطر إليه في كل حالة من أحواله ، فلهذا أمر اللّه تعالى به ، وأخبر أنه
مَعَ الصَّابِرِينَ
، أي : مع من كان الصبر لهم خلقا وصفة ، وملكة - بمعونته وتوفيقه وتسديده - فهانت عليهم بذلك ، المشاق والمكاره ، وسهل عليهم كل عظيم ، وزالت عنهم كل صعوبة ، وهذه معية خاصة تقتضي محبته ومعونته ، ونصره وقربه ، وهذا منقبة عظيمة للصابرين . فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعية من اللّه ، لكفى بها فضلا وشرفا ، وأما المعية العامة فهي معية العلم والقدرة ، كما في قوله تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
، وهذه عامة للخلق . وأمر تعالى بالاستعانة بالصلاة لأن الصلاة هي عماد الدين ، ونور المؤمنين ، وهي الصلة بين العبد وبين ربه ، فإذا كانت صلاة العبد صلاة كاملة ، مجتمعا فيها ما يلزم فيها ، وما يسن ، وحصل فيها حضور القلب الذي هو لبها ، فصار العبد إذا دخل فيها استشعر دخوله على ربه ، ووقوفه بين يديه ، موقف العبد الخادم المتأدب ، مستحضرا لكل ما يقوله وما يفعله ، مستغرقا بمناجاة ربه ودعائه - لا جرم أن هذه الصلاة ، من أكبر المعونة على جميع الأمور ، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ؛ ولأن هذا الحضور الذي يكون في الصلاة ، يوجب للعبد في قلبه ، وصفا ، وداعيا يدعوه إلى امتثال أوامر ربه ، واجتناب نواهيه . هذه هي الصلاة التي أمر اللّه ، أن نستعين بها على كل شيء .