تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
كل من له أدنى عقل حتى إنهم بأنفسهم يعرفون ذلك ، ويعرفون أن إبراهيم وغيره من الأنبياء ، لم يكونوا هودا ولا نصارى ، فكتموا هذا العلم وهذه الشهادة ، فلهذا كان ظلمهم أعظم الظلم . ولهذا قال تعالى :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ
، فهي شهادة عندهم ، مودعة من اللّه ، لا من الخلق ، فيقتضي الاهتمام بإقامتها ، فكتموها ، وأظهروا ضدها ، جمعوا بين كتم الحق وعدم النطق به ، وإظهار الباطل ، والدعوة إليه ، أليس هذا أعظم الظلم ؟ بلى واللّه ، وسيعاقبهم عليه أشد العقوبة . فلهذا قال :
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
، بل قد أحصى أعمالهم ، وعدها وادّخر لهم جزاءها ، فبئس الجزاء جزاؤهم ، وبئست النار مثوى للظالمين . وهذه طريقة القرآن في ذكر العلم والقدرة ، عقب الآيات المتضمنة للأعمال التي يجازى عليها . فيفيد ذلك الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، ويفيد أيضا ذكر الأسماء الحسنى بعد الأحكام ، أن الأمر الديني والجزائي أثر من آثارها ، وموجب من موجباتها ، وهي مقتضية له . [ 141 ] ثم قال تعالى :
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
تقدم تفسيرها ، وكررها ، لقطع التعلق بالمخلوقين ، وأن المعول عليه ، ما اتصف به الإنسان ، لا عمل أسلافه وآبائه ، فالنفع الحقيقي بالأعمال ، لا بالانتساب المجرد للرجال . [ 142 ]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ
، قد اشتملت الآية الأولى على : معجزة ، وتسلية ، وتطمين قلوب المؤمنين ، واعتراض ، وجوابه ، من ثلاثة أوجه ، وصفة المعترض ، وصفة المسلم لحكم اللّه دينه . فأخبر تعالى أنه سيعترض السفهاء من الناس ، وهم الذين لا يعرفون مصالح أنفسهم ، بل يضيعونها ويبيعونها بأبخس ثمن ، وهم اليهود والنصارى ، ومن أشبههم من المعترضين على أحكام اللّه وشرائعه . وذلك أن المسلمين كانوا مأمورين باستقبال بيت المقدس ، مدة مقامهم بمكة ، ثم بعد الهجرة إلى المدينة ، نحو سنة ونصف - لما للّه في ذلك من الحكم التي سيشير إلى بعضها ، وكانت حكمته تقتضي أمرهم باستقبال الكعبة . فأخبرهم أنه لا بد أن يقول السفهاء من الناس :
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
وهي استقبال بيت المقدس ، أي : أيّ شيء صرفهم عنه ؟ وفي ذلك الاعتراض على حكم اللّه وشرعه ، وفضله وإحسانه ، فسلاهم وأخبر بوقوعه وأنه إنما يقع ممن اتصف بالسفه قليل العقل ، والحلم والديانة ، فلا تبالوا بهم ، إذ قد علم مصدر هذا الكلام ، فالعاقل لا يبالي باعتراض السفيه ، ولا يلقي له ذهنه . ودلّت الآية على أنه لا يعترض على أحكام اللّه ، إلا سفيه جاهل معاند ، وأما الرشيد المؤمن العاقل ، فيتلقى أحكام ربه بالقبول والانقياد والتسليم ، كما قال تعالى :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
.
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
الآية .
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
. وقد كان في قوله « السفهاء » ما يغني عن رد قولهم ، وعدم المبالاة به . ولكنه تعالى - مع هذا - لم يترك هذه الشبهة ، حتى أزالها وكشفها مما سيعرض لبعض القلوب من الاعتراض ، فقال تعالى :
قُلْ
لهم مجيبا :
لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
، أي : فإذا كان المشرق والمغرب ملكا للّه ، ليس جهة من الجهات خارجة من ملكه ، ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة إبراهيم - فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك اللّه ، لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له ؟ فهذا يوجب التسليم لأمره بمجرد ذلك ، فكيف وهو من فضل اللّه عليكم ، وهدايته وإحسانه أن هداكم لذلك ، فالمعترض عليكم ، معترض على فضل اللّه ، حسدا لكم وبغيا . ولما كان قوله :
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
مطلقا ، والمطلق يحمل على المقيد ، فإن الهداية والضلال لهما أسباب أوجبتها حكمة اللّه وعدله ، وقد أخبر في غير موضع من كتابه بأسباب الهداية ، التي إذا أتى بها العبد حصل له الهدى ، كما قال تعالى :
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ
. ذكر في هذه الآية السبب الموجب لهداية هذه الأمة مطلقا بجميع أنواع الهداية ، ومنة اللّه عليها ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 73 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي