تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
الإسلام ، وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها ، فهي من الإيمان ، وأثر من آثاره ، فحيث أطلق الإيمان ، دخل فيه ما ذكر ، وكذلك الإسلام ، إذا أطلق دخل فيه الإيمان ، فإذا قرن بينهما ، كان الإيمان اسما لما في القلب من الإقرار والتصديق ، والإسلام اسما للأعمال الظاهرة . وكذلك إذا جمع بين الإيمان والأعمال الصالحة . فقوله تعالى :
قُولُوا
، أي : بألسنتكم ، متواطئة عليها قلوبكم ، وهذا هو القول التام ، المترتب عليه الثواب والجزاء ، فكما أن النطق باللسان ، بدون اعتقاد القلب ، نفاق وكفر ، فالقول الخالي من العمل عمل القلب ، عديم التأثير ، قليل الفائدة ، وإن كان العبد يؤجر عليه ، إذا كان خيرا ومعه أصل الإيمان ، لكن فرق بين القول المجرد ، والمقترن به عمل القلب . وفي قوله :
قُولُوا
إشارة إلى الإعلان بالعقيدة ، والصدع بها ، والدعوة لها ، إذ هي أصل الدين وأساسه . وفي قوله :
آمَنَّا
ونحوه ، مما فيه صدور الفعل ، منسوبا إلى جميع الأمة ، إشارة إلى أنه يجب على الأمة ، الاعتصام بحبل اللّه جميعا ، والحث على الائتلاف حتى يكون داعيهم واحدا ، وعملهم متحدا ، وفي ضمنه النهي عن الافتراق ، وفيه أن المؤمنين كالجسد الواحد . وفي قوله :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
، إلخ ، دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى نفسه الإيمان ، على وجه التقييد ، بل على وجوب ذلك ، بخلاف قوله : « أنا مؤمن » ونحوه ، فإنه لا يقال إلا مقرونا بالاستثناء بالمشيئة لما فيه من تزكية النفس ، والشهادة على نفسه بالإيمان . فقوله :
آمَنَّا بِاللَّهِ
، أي : بأنه واجب الوجود ، واحد أحد ، متصف بكل صفة كمال ، منزه عن كل نقص وعيب ، مستحق لإفراده بالعبادة كلها ، وعدم الإشراك به في شيء منها ، بوجه من الوجوه .
وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا
يشمل القرآن والسنة لقوله تعالى :
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب اللّه وسنة رسوله ، من صفات الباري ، وصفات رسله ، واليوم الآخر ، والغيوب الماضية والمستقبلة ، والإيمان بما تضمنه ذلك من الأحكام الأمرية الشرعية ، وأحكام الجزاء وغير ذلك .
وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ
، إلى آخر الآية ، فيه الإيمان بجميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء ، والإيمان بالأنبياء عموما وخصوصا ، ما نص عليه في الآية ، لشرفهم ، ولإتيانهم بالشرائع الكبار . فالواجب في الإيمان بالأنبياء والكتب ، أن يؤمن بهم على وجه العموم والشمول ، ثم ما عرف منهم بالتفصيل ، وجب الإيمان به مفصلا . وقوله :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
، أي : بل نؤمن بهم كلهم ، هذه خاصية المسلمين التي انفردوا بها عن كل من يدعي أنه على دين . فاليهود والنصارى والصابئون وغيرهم - وإن زعموا أنهم يؤمنون بما يؤمنون به من الرسل والكتب - فإنهم يكفرون بغيره ، فيفرقون بين الرسل والكتب ، بعضها يؤمنون به ، وبعضها يكفرون به ، وينقض تكذيبهم تصديقهم ، فإن الرسول الذي زعموا أنهم قد آمنوا به ، قد صدق سائر الرسل وخصوصا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فإذا كذبوا محمدا ، فقد كذبوا رسولهم فيما أخبرهم به ، فيكون كفرا برسولهم . وفي قوله :
وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ
دلالة على أن عطية الدين ، هي العطية الحقيقية المتصلة بالسعادة الدنيوية والأخروية . لم يأمرنا أن نؤمن بما أوتي الأنبياء من الملك والمال ونحو ذلك ، بل أمرنا أن نؤمن بما أعطوا من الكتب والشرائع . وفيه أن الأنبياء مبلّغون عن اللّه ، ووسائط بين اللّه