تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
المؤمنون حقا ، لا من قال منهم :
نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ
. ولهذا توعدهم اللّه بقوله :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
، وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها . [ 122 - 123 ]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 122 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
( 123 ) [ 124 ]
وَإِذِ ابْتَلى
، يخبر تعالى ، عن عبده وخليله ،
إِبْراهِيمَ
عليه السلام ، المتفق على إمامته وجلالته ، الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه ، بل وكذلك المشركون : أن اللّه ابتلاه وامتحنه
بِكَلِماتٍ
، أي : بأوامر ونواهي ، كما هي عادة اللّه في ابتلائه لعباده ، ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان ، من الصادق ، الذي ترتفع درجته ، ويزيد قدره ، ويزكو عمله ، ويخلص ذهبه ، وكان من أجلّهم في هذا المقام ، الخليل عليه السلام . فأتمّ ما ابتلاه اللّه به ، وأكمله ووفاه ، فشكر اللّه له ذلك ، ولم يزل اللّه شكورا ، فقال :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
، أي : يقتدون بك في الهدى ، ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية ، ويحصل لك الثناء الدائم ، والأجر الجزيل ، والتعظيم من كل أحد . وهذه - لعمر اللّه - أفضل درجة ، تنافس فيها المتنافسون ، وأعلى مقام ، شمر إليه العاملون ، وأكمل حالة حصلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم ، من كل صديق متبع لهم ، داع إلى اللّه وإلى سبيله . فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام ، وأدرك هذا ، طلب ذلك لذريته ، لتعلو درجته ودرجة ذريته ، وهذا أيضا من إمامته ، ونصحه لعباد اللّه ، ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون ، فلله عظمة هذه الهمم العالية ، والمقامات السامية . فأجابه الرحيم اللطيف ، وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام ، فقال :
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
، أي : لا ينال الإمامة في الدين ، من ظلم نفسه وضرها ، وحط قدرها ، لمنافاة الظلم لهذا المقام ، فإنه مقام آلته الصبر واليقين ، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة ، والأخلاق الجميلة ، والشمائل السديدة ، والمحبة التامة ، والخشية والإنابة . فأين الظلم وهذا المقام ؟ ودلّ مفهوم الآية ، أن غير الظالم ، سينال الإمامة ، ولكن مع إتيانه بأسبابها . [ 125 ] ثم ذكر تعالى ، أنموذجا باقيا دالّا على إمامة إبراهيم ، وهو : هذا البيت الحرام الذي جعل قصده ، ركنا من أركان الإسلام ، حاطا للذنوب والآثام . وفيه من آثار الخليل وذريته ، ما عرف به إمامته ، وتذكرت به حالته ، فقال :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ
، أي : مرجعا يثوبون إليه ، لحصول منافعهم الدينية والدنيوية ، يترددون إليه ، ولا يقضون منه وطرا ، وجعله
أَمْناً
يأمن به كل أحد ، حتى الوحش ، وحتى الجمادات كالأشجار . ولهذا كانوا في الجاهلية - على شركهم - يحترمونه أشد الاحترام ، ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم ، فلا يهيجه ، فلما جاء الإسلام ، زاده حرمة وتعظيما ، وتشريفا وتكريما .
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
، يحتمل أن يكون المراد بذلك المقام المعروف الذي قد جعل الآن ، مقابل باب الكعبة ، وأن المراد بهذا ، ركعتا الطواف ، يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم ، وعليه جمهور المفسرين ، ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا ، فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج ، وهي