تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
القاهر لكل شيء ، الذي لا يمتنع على قوته شيء ،
الْحَكِيمُ
الذي يضع الأشياء مواضعها ، فبعزتك وحكمتك ، ابعث فيهم هذا الرسول . فاستجاب اللّه لهما ، فبعث اللّه هذا الرسول الكريم ، الذي رحم اللّه به ذريتهما خاصة ، وسائر الخلق عامة ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « أنا دعوة أبي إبراهيم » . ولما عظم اللّه إبراهيم هذا التعظيم ، وأخبر عن صفاته الكاملة ، قال تعالى :
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
( 133 ) . [ 130 ]
وَمَنْ يَرْغَبُ
أي : ما يرغب
عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ
بعد ما عرف من فضله
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
، أي : جهلها وامتهنها ، ورضي لها بالدون ، وباعها بصفقة المغبون كما أنه لا أرشد ولا أكمل ، ممن رغب في ملة إبراهيم . ثم أخبر عن حالته في الدنيا والآخرة ، فقال :
وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا
، أي : اخترناه ووفقناه للأعمال ، التي صار بها من المصطفين الأخيار .
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
، الذين لهم أعلى الدرجات . [ 131 ]
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ
امتثالا لربه
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
، إخلاصا وتوحيدا ، ومحبة ، وإنابة ، فكان التوحيد للّه نعته . ثم ورثه في ذريته ، ووصاهم به ، وجعلها كلمة باقية في عقبه ، وتوارثت فيهم ، حتى وصلت ليعقوب فوصى بها بنيه . [ 132 ] فأنتم - يا بني يعقوب - قد وصاكم أبوكم بالخصوص ، فيجب عليكم كمال الانقياد ، واتباع خاتم الأنبياء ، قال :
يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ
، أي : اختاره وتخيره لكم ، رحمة بكم ، وإحسانا إليكم ، فقوموا به ، واتصفوا بشرائعه ، وانصبغوا بأخلاقه ، حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه ، لأن من عاش على شيء ، مات عليه ، ومن مات على شيء ، بعث عليه . [ 133 ] ولما كان اليهود يزعمون أنهم على ملة إبراهيم ، ومن بعده يعقوب ، قال تعالى منكرا عليهم :
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ
، أي : حضورا
إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ
، أي : مقدماته وأسبابه ، فقال لبنيه على وجه الاختبار ، ولتقرّ عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي
؟ فأجابوه بما قرّت به عينه ، فقالوا :
نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً
، فلا نشرك به شيئا ، ولا نعدل به ،
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
فجمعوا بين التوحيد والعمل . ومن المعلوم أنهم لم يحضروا يعقوب ، لأنهم لم يوجدوا بعد ، فإذا لم يحضروا ، فقد أخبر اللّه عنه أنه وصى بنيه بالحنيفية ، لا باليهودية . [ 134 ] ثم قال تعالى :
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ
، أي : مضت
لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
، أي : كل له عمله ، وكل سيجازى بما فعله ، لا يؤاخذ أحد بذنب أحد ، ولا ينفع أحد إلا إيمانه وتقواه . [ 135 ] فاشتغالكم به وادعاؤكم أنكم على ملتهم ، والرضا بمجرد القول ، أمر فارغ لا حقيقة له ، بل الواجب عليكم ، أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها ، هل تصلح للنجاة أم لا ؟
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 135 ) أي : دعا كل من اليهود والنصارى والمسلمين إلى الدخول في دينهم ، زاعمين أنهم هم المهتدون وغيرهم ضال . قال له مجيبا جوابا شافيا
بَلْ
نتبع
مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
، أي : مقبلا على اللّه ، معرضا عما سواه ، قائما بالتوحيد ، تاركا للشرك والتنديد . فهذا الذي في اتباعه الهداية ، وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية . [ 136 ]
قُولُوا آمَنَّا
، هذه الآية الكريمة ، قد اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به . واعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام بهذه الأصول ، وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح ، وهو - بهذا الاعتبار - يدخل فيه