تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
وبين خلقه في تبليغ دينه ، ليس لهم من الأمر شيء . وفي قوله :
مِنْ رَبِّهِمْ
إشارة إلى أنه من كمال ربوبيته لعباده ، أن ينزل عليهم الكتب ، ويرسل إليهم الرسل ، فلا تقتضي ربوبيته تركهم سدى ولا هملا . وإذا كان ما أوتي النبيون ، إنما هو من ربهم ، ففيه الفرق بين الأنبياء وبين من يدعي النبوة ، وأنه يحصل الفرق بينهم بمجرد معرفة ما يدعون إليه ، فالرسل لا يدعون إلا إلى الخير ، ولا ينهون إلا عن كل شر ، وكل واحد منهم يصدق الآخر ، ويشهد له بالحق ، من غير تخالف ولا تناقض لكونه من عند ربهم
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
. وهذا بخلاف من ادعى النبوة ، فلا بد أن يتناقضوا في أخبارهم وأوامرهم ونواهيهم ، كما يعلم ذلك من سبر أحوال الجميع ، وعرف ما يدعون إليه . فلما بيّن تعالى جميع ما يؤمن به ، عموما وخصوصا ، وكان القول لا يغني عن العمل ، قال :
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
، أي : خاضعون لعظمته ، منقادون لعبادته ، بباطننا وظاهرنا ، مخلصون له العبادة بدليل تقديم المعمول ، وهو
لَهُ
على العامل ، وهو
مُسْلِمُونَ
. فقد اشتملت هذه الآية الكريمة - على إيجازها واختصارها - على أنواع التوحيد الثلاثة : توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات . واشتملت على الإيمان بجميع الرسل ، وجميع الكتب ، وعلى التخصيص الدال على الفضل ، بعد التعميم ، وعلى التصديق بالقلب واللسان والجوارح والإخلاص للّه في ذلك ، وعلى الفرق بين الرسل الصادقين ، ومن ادعى النبوة من الكاذبين ، وعلى تعليم الباري عباده كيف يقولون ، ورحمته وإحسانه عليهم بالنعم الدينية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة . فسبحان من جعل كتابه تبيانا لكل شيء ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . [ 137 ]
فَإِنْ آمَنُوا
، أي : فإن آمن أهل الكتاب بمثل ما آمنتم به - يا معشر المؤمنين - من جميع الرسل ، وجميع الكتب ، الذين أول من دخل فيهم ، وأولى خاتمهم وأفضلهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن ، وأسلموا للّه وحده ، ولم يفرقوا بين أحد من الرسل
فَقَدِ اهْتَدَوْا
للصراط المستقيم ، الموصل لجنات النعيم ، أي : فلا سبيل لهم إلى الهداية ، إلا بهذا الإيمان ، ولا كما زعموا بقولهم :
كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا
فزعموا أن الهداية خاصة بما كانوا عليه . و « الهدى » هو العلم بالحق ، والعمل به ، وضدّه الضلال عن العلم ، والضلال عن العمل بعد العلم ، وهو الشقاق الذي كانوا عليه ، لما تولوا وأعرضوا ، فالمشاق : هو الذي يكون في شق ، واللّه ورسوله في شق . ويلزم من المشاقة ، المحادة ، والعداوة البليغة ، التي من لوازمها بذل ما يقدرون عليه من أذية الرسول ، فلهذا وعد اللّه رسوله ، أن يكفيه إياهم ، لأنه السميع لجميع الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات ، العليم بما بين أيديهم وما خلفهم ، بالغيب والشهادة ، بالظواهر والبواطن ، فإذا كان كذلك ، كفاك اللّه شرهم . وقد أنجز اللّه لرسوله وعده ، وسلطه عليهم ، حتى قتل بعضهم ، وسبى بعضهم ، وأجلى بعضهم ، وشرّدهم كل مشرد . ففيه معجزة من معجزات القرآن ، وهو الإخبار بالشيء قبل وقوعه ، فوقع طبق ما أخبر . [ 138 ]
صِبْغَةَ اللَّهِ
، أي : الزموا صبغة اللّه ، وهو دينه ، وقوموا به قياما تاما ، بجميع أعماله الظاهرة والباطنة ، وجميع عقائده في جميع الأوقات ، حتى يكون لكم صبغة ، وصفة من صفاتكم . فإن كان صفة من صفاتكم ، أوجب ذلك لكم الانقياد لأوامره ، طوعا واختيارا ومحبة ، وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ التام للثوب الذي صار له صفة ، فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية ، لحث الدين على مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ومعالي الأمور . فلهذا قال - على سبيل التعجب المتقرر للعقول الزكية - :
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً
، أي : لا أحسن صبغة من صبغته . وإذا أردت أن تعرف نموذجا يبين لك الفرق بين صبغة اللّه وبين غيرها من الصبغ ، فقس الشيء بضده : فكيف ترى في عبد آمن بربه إيمانا صحيحا ، أثر معه خضوع القلب وانقياد الجوارح ، فلم يزل يتحلى بكل وصف حسن ، وفعل جميل ، وخلق كامل ، ونعت جليل ، ويتخلى من كل وصف قبيح ، ورذيلة وعيب . فوصفه : الصدق في قوله وفعله ، والصبر والحلم ، والعفة ، والشجاعة ، والإحسان القولي والفعلي ، ومحبة اللّه