تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
المشاعر كلها : من الطواف ، والسعي ، والوقوف بعرفة ، ومزدلفة ، ورمي الجمار ، والنحر ، وغير ذلك من أفعال الحج . فيكون معنى قوله :
مُصَلًّى
، أي : معبدا ، أي : اقتدوا به في شعائر الحج ، ولعل هذا المعنى أولى ، لدخول المعنى الأول فيه ، واحتمال اللفظ له .
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ
، أي : أوحينا إليهما ، وأمرناهما بتطهير بيت اللّه من الشرك والكفر والمعاصي ، ومن الرجس والنجاسات والأقذار ، ليكون
لِلطَّائِفِينَ
فيه
وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
، أي : المصلين . قدم الطواف ، لاختصاصه بالمسجد الحرام ، ثم الاعتكاف ، لأن من شرطه المسجد مطلقا ، ثم الصلاة ، مع أنها أفضل ، لهذا المعنى . وأضاف الباري البيت إليه لفوائد ، منها : أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره ، لكونه بيت اللّه ، فيبذلان جهدهما ، ويستغرقان وسعهما في ذلك . ومنها : أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام ، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه . ومنها : أن هذه الإضافة هي السبب الجالب للقلوب إليه . أي : وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت ، أن يجعله اللّه بلدا آمنا ، ويرزق أهله من أنواع الثمرات . [ 126 ] ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين ، تأدبا مع اللّه ، إذ كان دعاؤه الأول ، فيه الإطلاق ، فجاء بالجواب فيه مقيدا بغير الظالم . فلما دعا لهم بالرزق ، وقيده بالمؤمن ، وكان رزق اللّه شاملا للمؤمن والكافر والعاصي والطائع ، قال تعالى :
وَمَنْ كَفَرَ
، أي : أرزقهم كلهم ، مسلمهم وكافرهم ، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة اللّه ، ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة ، وأما الكافر ، فيتمتع فيها قليلا
ثُمَّ أَضْطَرُّهُ
، أي : ألجئه وأخرجه مكرها
إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
. [ 127 ]
وَإِذْ يَرْفَعُ
، أي : واذكر إبراهيم وإسماعيل ، في حالة رفعهما القواعد من البيت ، الأساس ، واستمرارهما على هذا العمل العظيم ، وكيف كان حالهما من الخوف والرجاء ، حتى إنهما - مع هذا العمل - دعوا اللّه أن يتقبل منهما عملهما ، حتى يجعل فيه النفع العميم . [ 128 ] ودعوا لأنفسهما ، وذريتهما بالإسلام ، الذي حقيقته ، خضوع القلب ، وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح .
وَأَرِنا مَناسِكَنا
، أي : علمناها على وجه الإرادة والمشاهدة ، ليكون أبلغ . يحتمل أن يكون المراد بالمناسك : أعمال الحج كلها ، كما يدل عليه السياق والمقام ، ويحتمل أن يكون المراد : ما هو أعظم من ذلك ، وهو الدين كله ، والعبادات كلها ، كما يدل عليه عموم اللفظ ، لأن النسك : التعبد ، ولكن غلب على متعبدات الحج تغليبا عرفيا ، فيكون حاصل دعائهما يرجع إلى التوفيق للعلم النافع ، والعمل الصالح . ولما كان العبد - مهما كان - لا بد أن يعتريه التقصير ، ويحتاج إلى التوبة ، قالا :
وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
. [ 129 ]
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ
، أي : في ذريتنا .
رَسُولًا مِنْهُمْ
ليكون أرفع لدرجتهما ، ولينقادوا له ، وليعرفوه حقيقة المعرفة .
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ
لفظا ، وحفظا ، وتحفيظا
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
معنى .
وَيُزَكِّيهِمْ
ب لتربية على الأعمال الصالحة ، والتبري من الأعمال الردية ، التي لا تزكى النفس معها .
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
، أي :