تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
. وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه ، فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية ، كما قال تعالى :
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
. بل قد أمر اللّه تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها ، فقال تعالى :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
. وللمساجد أحكام كثيرة ، يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة . [ 115 ] أي :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
، خصّهما بالذكر ، لأنهما محل الآيات العظيمة ، في مطالع الأنوار ومغاربها ، فإذا كان مالكا لها ، كان مالكا لكل الجهات .
فَأَيْنَما تُوَلُّوا
وجوهكم من الجهات ، إذا كان توليكم إياها بأمره ، إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس ، أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها ، فإن القبلة حيثما توجه العبد أو تشتبه القبلة ، فيتحرى الصلاة إليها ، ثم يتبين له الخطأ ، أو يكون معذورا بصلب أو مرض ونحو ذلك ، فهذه الأمور ، إما أن يكون العبد فيها معذورا أو مأمورا . وبكل حال ، فما استقبل جهة من الجهات ، خارجة عن ملك ربه ،
فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ
، فيه إثبات الوجه للّه تعالى ، على الوجه اللائق به تعالى ، وأن للّه وجها لا تشبهه الوجوه ، وهو - تعالى - واسع الفضل والصفات عظيمها ، عليم بسرائركم ونياتكم . فمن سعته وعلمه ، وسع لكم الأمر ، وقبل منكم المأمور ، فله الحمد والشكر . [ 116 ]
وَقالُوا
، أي : اليهود والنصارى والمشركون ، وكل من قال ذلك :
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
، فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله ، وأساءوا كل الإساءة ، وظلموا أنفسهم . وهو - تعالى - صابر على ذلك منهم ، قد حلم عليهم ، وعافاهم ورزقهم مع تنقصهم إياه .
سُبْحانَهُ
أي : تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله . فسبحان من له الكمال المطلق ، من جميع الوجوه ، الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه . ومع رده لقولهم ، أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك ، فقال :
بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، أي : جميعهم ملكه وعبيده ، يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك ، وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره ، فإذا كانوا كلهم عبيده ، مفتقرين إليه ، وهو غني عنهم ، فكيف يكون منهم أحد ، يكون له ولدا ، والولد لا بد أن يكون من جنس والده ، لأنه جزء منه . واللّه تعالى المالك القاهر ، وأنتم المملوكون المقهورون ، وهو الغني وأنتم الفقراء ، فكيف مع هذا ، يكون له ولد ؟ هذا من أبطل الباطل وأسمجه . والقنوت نوعان : قنوت عام : وهو قنوت الخلق كلهم ، تحت تدبير الخالق ، وخاص : وهو قنوت العبادة . فالنوع الأول كما في هذه الآية ، والنوع الثاني : كما في قوله تعالى :
وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
. [ 117 ] ثم قال :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، أي : خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق .
وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
، فلا يستعصى عليه ، ولا يمتنع منه . [ 118 ]
وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
، أي : قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم : هل يكلمنا اللّه ، كما كلم الرسل ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 65 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي