تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
أنهم ، مهما فعلوا من خير ، فإنه لا يضيع عند اللّه ، بل يجدونه عنده وافرا موفرا قد حفظه :
إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
. [ 111 ]
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ
، أي : قال اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا . وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى . فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم ، وهذا مجرد أماني غير مقبولة ، إلا بحجة وبرهان ، فأتوا بها إن كنتم صادقين ، وهكذا كل من ادعى دعوى ، لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه ، وإلا ، فلو قلبت عليه دعواه ، وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان ، لكان لا فرق بينهما ، فالبرهان هو الذي يصدق الدعوى أو يكذبها ، ولما لم يكن بأيديهم برهان ، علم كذبهم بتلك الدعوى . [ 112 - 113 ] ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد ، فقال :
بَلى
، أي : ليس بأمانيكم ودعاويكم ، ولكن
مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
، أي : أخلص للّه أعماله ، متوجها ، إليه بقلبه ،
وَهُوَ
مع إخلاصه
مُحْسِنٌ
في عبادة ربه ، بأن عبده بشرعه ، فأولئك هم أهل الجنة وحدهم .
فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم ،
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
، فحصل لهم المرغوب ، ونجوا من المرهوب . ويفهم منها ، أن من ليس كذلك ، فهو من أهل النار الهالكين ، فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود ، والمتابعة للرسول ، وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد ، إلى أن بعضهم ضلّل بعضا ، وكفر بعضهم بعضا ، كما فعل الأميون من مشركي العرب وغيرهم . فكل فرقة تضلل الأخرى ، ويحكم اللّه في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل ، الذي أخبر به عباده ، فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدق جميع الأنبياء والمرسلين ، وامتثل أوامر ربه ، واجتنب نواهيه ، ومن عداهم ، فهو هالك . [ 114 ]
وَمَنْ أَظْلَمُ
، أي : لا أحد أظلم ، وأشد جرما ،
مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ
، عن ذكر اللّه فيها ، وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات .
وَسَعى
، أي : اجتهد وبذل وسعه
فِي خَرابِها
الحسي والمعنوي ، فالخراب الحسي : هدمها وتخريبها ، وتقذيرها ، والخراب المعنوي ، منع الذاكرين لاسم اللّه فيها ، وهذا عام لكل من اتصف بهذه الصفة ، فيدخل في ذلك أصحاب الفيل ، وقريش ، حين صدوا رسول اللّه عنها عام الحديبية ، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس ، وغيرهم من أنواع الظلمة ، الساعين في خرابها ، محادة للّه ، ومشاقة . فجازاهم اللّه ، بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا ، إلا خائفين ذليلين ، فلما أخافوا عباد اللّه ، أخافهم اللّه ، فالمشركون الذين صدوا رسوله ، لم يلبث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا يسيرا ، حتى أذن اللّه له في فتح مكة . ومنع المشركين من قربان بيته ، فقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
. وأصحاب الفيل ، قد ذكر اللّه ما جرى عليهم ، والنصارى ، سلط اللّه عليهم المؤمنين فأجلوهم . وهكذا كل من اتصف بوصفهم ، فلا بد أن يناله قسطه ، وهذا من الآيات العظيمة ، أخبر بها الباري قبل وقوعها ، فوقعت كما أخبر . واستدل العلماء بالآية الكريمة ، على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد .
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
: فضيحة كما تقدم ،
وَلَهُمْ فِي