تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
السحر ، ويخبرانه عن مرتبته ، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ، ونسبته وترويجه إلى من برأه اللّه منه وهو سليمان عليه السلام ، وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة . فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تعلمه الشياطين ، والسحر الذي يعلمه الملكان ، فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين ، وكل يصبو إلى ما يناسبه . ثم ذكر مفاسد السحر ، فقال :
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ
، مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما ، لأن اللّه قال في حقهما :
وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
، وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة ، وأنه يضر بإذن اللّه ، أي : بإرادة اللّه ، والإذن نوعان : إذن قدري ، وهو المتعلق بمشيئة اللّه ، كما في هذه الآية ، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة .
فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ
، وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير ، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير ، ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة ، فأخرجوها عن قدرة اللّه ، فخالفوا كتاب اللّه وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين . ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة ، ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي ، كما قال تعالى في الخمر والميسر :
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
، فهذا السحر مضرة محضة ، فليس له داع أصلا ، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة ، أو شرها أكبر من خيرها . كما أن المأمورات ، إما مصلحة محضة ، أو خيرها أكثر من شرها .
وَلَقَدْ عَلِمُوا
، أي : اليهود
لَمَنِ اشْتَراهُ
، أي : رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة
ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
، أي : نصيب ، بل هو موجب للعقوبة ، فلم يكن فعلهم إياه جهلا ، ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة
وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
علما يثمر العمل ما فعلوه . [ 104 ] كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين
راعِنا
، أي : راع أحوالنا ، فيقصدون بها معنى صحيحا . وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا ، فانتهزوا الفرصة ، فصاروا يخاطبون الرسول بذلك ، ويقصدون المعنى الفاسد ، فنهى اللّه المؤمنين عن هذه الكلمة ، سدّا لهذا الباب ، ففيه النهي عن الجائز ، إذا كان وسيلة إلى محرم ، وفيه الأدب ، واستعمال الألفاظ ، التي لا تحتمل إلا الحسن ، وعدم الفحش ، وترك الألفاظ القبيحة ، أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق ، فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن ، فقال :
وَقُولُوا انْظُرْنا
، فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور .
وَاسْمَعُوا
لم يذكر المسموع ، ليعم ما أمر باستماعه ، فيدخل فيه سماع القرآن ، وسماع السنة التي هي الحكمة ، لفظا ومعنى ، واستجابة ، ففيه الأدب والطاعة . [ 105 ] ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع . وأخبر عن عداوة اليهود المشركين للمؤمنين ، أنهم ما يودون
أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ
، أي : لا قليلا ولا كثيرا
مِنْ رَبِّكُمْ
حسدا منهم ، وبغضا لكم أن يختصكم بفضله ، فإنه
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
. ومن فضله عليكم ، أنزل الكتاب على رسولكم ، ليزكيكم ، ويعلمكم الكتاب