تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
كفرا بما في أيديهم ونقضا له . ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله :
قُلْ
لهم
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ 92 ]
وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ
، أي : بالأدلة الواضحات المبينة للحق .
ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ
، أي : بعد مجيئه
وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ
في ذلك ليس لكم عذر . [ 93 ]
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا
، أي : سماع قبول وطاعة واستجابة ،
قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا
، أي : صارت هذه حالتهم
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
، أي : صبغ حب العجل ، وحب عبادته ، في قلوبهم ، وشربها بسبب كفرهم .
قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
، أي : أنتم تدعون الإيمان وتتمدحون بالدين الحق ، وأنتم قتلتم أنبياء اللّه ، واتخذتم العجل إلها من دون اللّه ، لما غاب عنكم موسى ، نبي اللّه ، ولم تقبلوا أوامره ونواهيه إلا بعد التهديد ورفع الطور فوقكم ، فالتزمتم بالقول ، ونقضتم بالفعل . فما هذا الإيمان الذي ادعيتم ، وما هذا الدين ؟ فإذا كان هذا إيمانا على زعمكم ، فبئس الإيمان الداعي صاحبه إلى الطغيان ، والكفر برسل اللّه ، وكثرة العصيان ، وقد عهد أن الإيمان الصحيح يأمر صاحبه بكل خير ، وينهاه عن كل شر ، فوضح بهذا كذبهم ، وتبين تناقضهم . [ 94 ] أي :
قُلْ
لهم على وجه تصحيح دعواهم
إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ
، يعني الجنة
خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ
كما زعمتم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، وأن النار لن تمسكم إلا أياما معدودة ، فإن كنتم صادقين في هذه الدعوى
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ
وهذا نوع مباهلة بينهم وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وليس بعد هذا الإلجاء والمضايقة لهم بعد العناد منهم ، إلا أحد أمرين : إما أن يؤمنوا باللّه ورسوله ، وإما أن يباهلوا على ما هم عليه بأمر يسير عليهم ، وهو تمني الموت الذي يوصلهم إلى الدار التي هي خالصة لهم ، فامتنعوا من ذلك . [ 95 ] فعلم كل أحد أنهم في غاية المعاندة والمحادة للّه ولرسوله ، مع علمهم بذلك ، ولهذا قال تعالى :
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
. من الكفر والمعاصي ، لأنهم يعلمون أنه طريق لهم إلى المجازاة بأعمالهم الخبيثة . [ 96 ] فالموت أكره شيء إليهم ، وهم أحرص على الحياة من كل أحد من الناس ، حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بأحد من الرسل والكتب . ثم ذكر شدة محبتهم للدنيا ، فقال :
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ
، وهذا أبلغ ما يكون من الحرص ، تمنوا حالة هي من المحالات ، والحال أنهم لو عمروا العمر المذكور ، لم يغن عنهم شيئا ، ولا دفع عنهم من العذاب شيئا .
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
. تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم . [ 97 - 98 ]
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا
، أي : قل لهؤلاء اليهود ، الذين زعموا أن الذي منعهم من الإيمان بك ، أن وليك جبريل عليه السلام ، ولو كان غيره من ملائكة اللّه ، لآمنوا بك وصدقوا : إن هذا الزعم منكم ، تناقض وتهافت ، وتكبر على اللّه ، فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزّل القرآن من عند اللّه على قلبك ، وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك ، واللّه هو الذي أمره ، وأرسله بذلك ، فهو رسول محض . مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل -