تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
الإيمان الذي يؤيد اللّه به عباده . ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها ، لما أتوكم
بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ
عن الإيمان بهم ،
فَفَرِيقاً
منهم
كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ
، فقدمتم الهوى على الهدى ، وآثرتم الدنيا على الآخرة ، وفيها من التوبيخ والتشديد ، ما لا يخفى . [ 88 - 90 ]
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
، أي : اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه ، يا أيها الرسول ، بأن قلوبهم غلف ، أي : عليها غلاف وأغطية ، فلا تفقه ما تقول ، يعني ، فيكون لهم - بزعمهم - عذر لعدم العلم ، وهذا كذب منهم ، فلهذا قال تعالى :
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
، أي : أنهم مطرودون ملعونون ، بسبب كفرهم ، فقليلا المؤمن منهم ، أو قليلا إيمانهم ، وكفرهم هو الكثير . أي : ولما جاءهم من عند اللّه على يد أفضل الخلق ، وخاتم الأنبياء ، الكتاب المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة ، وقد علموا به ، وتيقنوه على أنهم إذا كان وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب ، استنصروا بهذا النبي ، وتوعدوهم بخروجه ، وأنهم يقاتلون المشركين معه . فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا ، كفروا به ، بغيا وحسدا ، أن ينزل اللّه من فضله على من يشاء من عباده ، فلعنهم اللّه ، وغضب عليهم غضبا بعد غضب ، لكثرة كفرهم ، وتوالي شكهم وشركهم .
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ
، أي : مؤلم موجع ، وهو صلي الجحيم ، وفوت النعيم المقيم ، فبئس الحال حالهم ، وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان باللّه وكتبه ورسله ، الكفر به ، وبكتبه وبرسله ، مع علمهم وتيقنهم ، فيكون أعظم لعذابهم . [ 91 ]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
، أي : وإذا أمر اليهود بالإيمان بما أنزل اللّه على رسوله ، وهو القرآن ، استكبروا وعتوا ، و
قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ
، أي : بما سواه من الكتب ، مع أن الواجب أن يؤمنوا بما أنزل اللّه مطلقا ، سواء أنزل عليهم ، أو على غيرهم ، وهذا هو الإيمان النافع ، الإيمان بما أنزل اللّه على جميع رسله . وأما التفريق بين الرسل والكتب ، وزعم الإيمان ببعضها دون بعض ، فهذا ليس بإيمان ، بل هو الكفر بعينه ، ولهذا قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا
. ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا ردا شافيا ، وألزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه ، فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين ، فقال :
وَهُوَ الْحَقُّ
، فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات ، والأوامر والنواهي ، وهو من عند ربهم ، فالكفر به - بعد ذلك - كفر باللّه ، وكفر بالحق الذي أنزله . ثم قال :
مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ
، أي : موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه . فلم تؤمنون بما أنزل عليكم ، وتكفرون بنظيره ؟ هل هذا إلا تعصب ، واتباع للهوى لا للهدى ؟ وأيضا ، فإن كون القرآن مصدقا لما معهم ، يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب ، فلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به ، فإذا كفروا به وجحدوه ، صاروا بمنزلة من ادعى دعوى بحجة وبينة ، ليس له غيرها ، ولا تتم دعواه إلا بسلامة بينته ، ثم يأتي هو لبينته وحجته ، فيقدح فيها ويكذب بها ، أليس هذا من الحماقة والجنون ؟ فكان كفرهم بالقرآن ،